تاريخ المكتبات الوطنية بالمغرب

تاريخ المكتبات الوطنية بالمغرب: رحلة الحرف والذاكرة من عصر القرويين إلى الصرح الحديث

يعد تاريخ المكتبات في المغرب مرآة عاكسة لتطور الحضارة المغربية عبر العصور، فهي لم تكن مجرد مخازن للكتب، بل كانت منارات للعلم ومراكز لصناعة القرار الفكري والسياسي. إن الحديث عن المكتبة الوطنية بالمغرب ليس حديثاً عن مبنى خرساني حديث في قلب العاصمة الرباط فحسب، بل هو غوص في أعماق قرون من الاهتمام بالكتاب، بدأ من مساجد فاس ومراكش، وصولاً إلى أحدث النظم الرقمية في الأرشفة والتوثيق. في هذا المقال المفصل، نستعرض تاريخ المكتبات الوطنية بالمغرب، مسلطين الضوء على التحولات الكبرى التي رسمت ملامح الهوية الثقافية للمملكة.

الجذور التاريخية: المكتبات في المغرب ما قبل العصر الحديث

ارتبط ظهور المكتبات في المغرب بانتشار الإسلام وتأسيس الحواضر الكبرى. كانت المساجد والزوايا هي النواة الأولى لتجمع الكتب والمخطوطات.

خزانة القرويين: أقدم مكتبة في العالم الإسلامي المغربي

تعتبر خزانة جامع القرويين بفاس، التي تأسست في القرن التاسع الميلادي، النوذج الأبرز للمكتبات التاريخية. لم تكن مجرد مكتبة ملحقة بجامع، بل كانت مؤسسة قائمة بذاتها تضم أندر المخطوطات في الطب، الفلك، الفقه، واللغة. تعاقب على العناية بها السلاطين الأدارسة والمرابطون والموحدون، وصولاً إلى المرينيين الذين جعلوا من فاس عاصمة للكتاب، حيث تم إحداث نظام “الحبس” (الوقف) لضمان استمرارية تزويد المكتبة بالكتب.

الخزائن السلطانية: مكتبات القصور

لعب السلاطين المغاربة دوراً محورياً في جمع الكتب. ففي العهد الموحدي والطيني، كانت القصور تضم خزائن خاصة تحتوي على أمهات الكتب التي جُلبت من الأندلس والمشرق. وفي العهد السعدي، بلغت العناية بالمكتبات ذروتها، خاصة في عهد السلطان أحمد المنصور الذهبي، الذي كانت خزانته تعد من أغنى الخزائن في العالم الإسلامي، قبل أن تتعرض للضياع الشهير المعروف بـ “مجموعة زيدان” التي انتهى بها المطاف في مكتبة الإسكوريال بإسبانيا.

تأسيس المكتبة الوطنية في عصر الحماية (1920-1956)

بدأ المفهوم الحديث للمكتبة الوطنية في المغرب يتبلور في بداية القرن العشرين، وتحديداً خلال فترة الحماية الفرنسية. كان الهدف المعلن هو تنظيم الرصيد الوثائقي، لكن الأهداف الضمنية كانت ترتبط أيضاً بالبحث الكولونيالي لفهم المجتمع المغربي.

ظهير 1920: الميلاد الرسمي

تأسست النواة الأولى لما يعرف اليوم بالمكتبة الوطنية بموجب ظهير شريف في 1 نوفمبر 1920 تحت اسم “المكتبة العامة” (Bibliothèque Générale). تم افتتاحها رسمياً في مدينة الرباط عام 1924، وكان مقرها الأول قريباً من القصر الملكي في “تواركة”.

جمع الأرصدة والوثائق

قامت الإدارة في ذلك الوقت بجمع مجموعات هامة من المخطوطات من الزوايا والمساجد تحت ذريعة الحماية والترميم، كما أضيفت إليها مجموعات من الكتب الفرنسية والأوروبية. وفي عام 1926، تم إقرار نظام “الإيداع القانوني”، وهو قانون يلزم كل ناشر أو طابع بإيداع نسخ من مؤلفاته بالمكتبة، مما ساهم في نمو رصيدها بشكل مطرد.

المكتبة الوطنية بعد الاستقلال: مغربة الثقافة

بعد حصول المغرب على استقلاله عام 1956، دخلت المكتبة العامة والمحفوظات مرحلة جديدة من التطور، حيث أصبحت مؤسسة تابعة لوزارة الثقافة المغربية، وتم العمل على “مغربتها” من حيث الأطر والمضامين.

توسيع المهام والمسؤوليات

خلال فترة الستينيات والسبعينيات، تحولت المكتبة إلى مركز وطني للببليوغرافيا المغربية. بدأ العمل على إصدار “الببليوغرافيا الوطنية المغربية” التي ترصد كل ما يُنشر في المغرب أو حوله. كما بدأت المكتبة في لعب دور القيادة بالنسبة لشبكة المكتبات العمومية في المملكة.

تحديات المساحة والحفظ

مع مرور العقود، واجه المقر القديم للمكتبة تحديات كبيرة تتعلق بضيق المساحة وعدم ملاءمة الظروف المناخية لحفظ المخطوطات النادرة، مما استدعى تفكيراً جدياً من طرف الدولة المغربية، تحت توجيهات الملك محمد السادس، لإنشاء معلمة ثقافية تليق بتاريخ المغرب.

المكتبة الوطنية للمملكة المغربية (BNRM): الصرح الحديث

في عام 2003، وبموجب القانون رقم 67.00، تم تغيير اسم المؤسسة من “المكتبة العامة والمحفوظات” إلى “المكتبة الوطنية للمملكة المغربية”، ومنحت وضعية مؤسسة عمومية تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي.

المبنى الجديد بالرباط: تحفة معمارية

تم تدشين المقر الحالي للمكتبة الوطنية في 15 أكتوبر 2008 بحي أكدال بالرباط. يمتد هذا الصرح على مساحة شاسعة ويتميز بهندسة معمارية تمزج بين الحداثة والأصالة المغربية، مع برج عالٍ يرمز لمنارة العلم.

أقسام المكتبة ومرافقها

  • قاعات القراءة: تضم قاعات متخصصة للباحثين وأخرى للعموم، بطاقة استيعابية تتجاوز ألف مقعد.
  • قسم المخطوطات والكتب النادرة: يضم كنوزاً تعود لقرون خلت، محفوظة في بيئة محكومة تقنياً.
  • المكتبة الرقمية: مشروع طموح يهدف لرقمنة التراث المغربي وإتاحته عبر الإنترنت.
  • الفضاءات الثقافية: تشمل مدرجاً للمؤتمرات، قاعات للمعارض، وسينما، مما جعلها مركزاً إشعاعياً يتجاوز مجرد القراءة.

المهام الاستراتيجية للمكتبة الوطنية

لا يقتصر دور المكتبة الوطنية اليوم على إعارة الكتب، بل تمتد مهامها لتشمل:

  1. جمع وحفظ التراث الوطني: من خلال الإيداع القانوني واقتناء المجموعات الخاصة.
  2. البحث الببليوغرافي: إعداد الكشافات والقوائم الوطنية للإنتاج الفكري.
  3. الترميم والصيانة: تتوفر المكتبة على مختبرات متطورة لترميم المخطوطات والوثائق المتضررة.
  4. التعاون الدولي: ترتبط المكتبة باتفاقيات مع مكتبات عالمية مثل مكتبة الكونغرس والمكتبة الوطنية الفرنسية.

الكنوز الوثائقية: ماذا يوجد داخل المكتبة؟

تضم المكتبة الوطنية للمملكة المغربية ملايين الوثائق، ومن أبرزها:

  • مخطوطات نادرة في الفقه المالكي والتصوف والتاريخ والطب.
  • مجموعة هامة من المصاحف المكتوبة بالخط المغربي العتيق والمذهبة.
  • الأرشيفات الاستعمارية والخرائط التاريخية للمغرب.
  • أكبر رصيد من الدوريات والجرائد المغربية التي صدرت منذ فجر الصحافة بالمغرب.

التحول الرقمي ومستقبل المكتبات بالمغرب

في ظل الثورة التكنولوجية، استثمرت المكتبة الوطنية في رقمنة رصيدها. تتيح البوابة الإلكترونية للمكتبة اليوم إمكانية البحث في الفهارس عن بعد، والولوج إلى آلاف الوثائق المرقمنة عبر “المكتبة الرقمية المغربية”. هذا التحول يهدف إلى ديمقراطية المعرفة وتسهيل مأمورية الباحثين في مختلف أنحاء العالم.

الأسئلة الشائعة حول المكتبة الوطنية بالمغرب (FAQ)

1. متى تأسست المكتبة الوطنية بالمغرب بشكلها الحديث؟

تأسست في شكلها الحديث (المقر الجديد والقانون الجديد) عام 2008، لكن جذورها القانونية تعود إلى عام 1920 كـ “مكتبة عامة”.

2. أين تقع المكتبة الوطنية للمملكة المغربية؟

تقع في شارع ابن حزم، حي أكدال، بالعاصمة الرباط.

3. هل يمكن لعامة الناس دخول المكتبة؟

نعم، تفتح المكتبة أبوابها للعموم (الطلبة، الباحثين، والجمهور الواسع) وفق شروط معينة ونظام اشتراك سنوي.

4. ما هو الإيداع القانوني؟

هو نظام قانوني يلزم كل ناشر أو مؤلف بإيداع عدد معين من نسخ عمله (كتاب، مجلة، قرص مدمج) لدى المكتبة الوطنية لحفظه كجزء من الذاكرة الوطنية.

5. هل توجد فروع للمكتبة الوطنية في مدن أخرى؟

المكتبة الوطنية مؤسسة مركزية بالرباط، لكنها تتعاون مع الخزانات الجهوية والمكتبات الوسائطية التابعة لوزارة الثقافة في مختلف مدن المملكة.

خاتمة

إن تاريخ المكتبات الوطنية بالمغرب هو قصة كفاح من أجل البقاء والحفاظ على الكلمة المكتوبة في وجه عوادي الزمن. من خزائن المساجد العتيقة التي احتضنت تراث الأندلس والمغرب، إلى الصرح الرقمي والمعماري الحديث في الرباط، تظل المكتبة الوطنية الحارس الأمين لذاكرة الأمة المغربية. إنها ليست مجرد مكان للقراءة، بل هي الجسر الذي يربط ماضي المغرب العريق بمستقبله المعرفي الطموح، مما يجعلها بحق “قلب المغرب الثقافي النابض”.

أضف تعليق