تاريخ الملاح في المغرب: التعايش الثقافي والدور الاقتصادي للمكون العبري في المدن السلطانية
يعد “الملاح” في التاريخ المغربي أكثر من مجرد حي سكني طائفي؛ إنه تجسيد مكاني وفلسفي لنمط فريد من التعايش الذي ميز الشخصية المغربية عبر العصور. فالملاح، الذي ارتبط تاريخياً بإقامة المواطنين اليهود في المدن الكبرى، مثل فاس ومراكش ومكناس، مثل حلقة وصل حيوية بين الدولة (المخزن) وبين المكون العبري، الذي لعب أدواراً محورية في صياغة المشهد الاقتصادي والدبلوماسي للمغرب. يسعى هذا المقال إلى استجلاء جذور الملاح، وتتبع تطوره من خلال أمهات الكتب التاريخية مثل كتاب “الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى” للناصري، و”روض القرطاس” لابن أبي زرع، مع تسليط الضوء على إسهامات هذا المكون في بناء الدولة المغربية.
الجذور التاريخية: من عهد الأدارسة إلى نشأة أول ملاح
لم يكن لليهود حي معزول في البدايات الأولى للدولة المغربية، بل كانوا جزءاً من النسيج الحضري الذي تشكل مع بناء مدينة فاس. يشير ابن أبي زرع في كتابه الشهير “روض القرطاس” إلى أن المولى إدريس الأول ومن بعده ابنه إدريس الثاني، حرصا على استقطاب السكان من مختلف الأطياف لتعمير العاصمة الجديدة. وفي ظل دولة الأدارسة في المغرب، تمتع أهل الذمة بحماية السلطة المركزية، وهو ما يظهر بوضوح عند دراسة بيعة المولى إدريس الثاني، حيث كانت الدولة تسعى لتجاوز القبلية الضيقة نحو مفهوم المواطنة الجامعة.
تطورت فاس لتصبح قطباً علمياً واقتصادياً، وبرزت عدوة الأندلس في فاس كمركز حضاري استوعب المهاجرين من الأندلس، وكان من بينهم تجار وحرفيون يهود. وخلال تلك الحقبة، لم يكن ثمة فصل مكاني قسري، بل كان التداخل سمة العصر. ومع ذلك، يذكر المؤرخون أن إدريس الثاني وتحجيم نفوذ أوربة قد مهد الطريق لبناء إدارة مركزية قوية تستطيع حماية الأقليات الدينية بعيداً عن الصراعات القبلية التي كانت تتزعمها قبيلة أوربة الأمازيغية، وهي القبيلة التي احتضنت المولى إدريس بفضل حكمة السيدة كنزة الأوربية.
ظهر مصطلح “الملاح” لأول مرة في مدينة فاس عام 1438م في عهد المرينيين، حيث تم نقل اليهود من أحياء فاس القديمة إلى حي جديد بني على موقع كان مخصصاً لتمليح رؤوس المتمردين، ومن هنا جاءت التسمية. وقد كان هذا الإجراء، في جوهره، وسيلة لحماية الطائفة اليهودية من الاضطرابات العامة وضمان قربهم من القصر السلطاني تحت حماية “المخزن”.
الملاح في المدن السلطانية: مراكش ومكناس نموذجاً
مع تعاقب الدول، ظل الملاح عنصراً ثابتاً في العمارة السلطانية المغربية. في مراكش، التي شهدت ازدهاراً كبيراً منذ حركة المرابطين الإصلاحية، استمر الوجود العبري كعنصر فاعل في التجارة. وقد استفاد سكان الملاح في مراكش من التطورات الهندسية للمدينة، لاسيما نظام الخطارات في مراكش الذي ضمن إمدادات المياه للأحياء السكنية والزراعية.
أما في عهد السلطان المولى إسماعيل، فقد شهد ملاح مدينة مكناس قفزة نوعية. ففي خضم مشروعه الضخم لبناء جيش قوي وهو جيش عبيد البخاري لتوحيد البلاد وتأمين الثغور، كان المكون اليهودي يلعب دور الممول والمنظم للعمليات التجارية الكبرى. يذكر الناصري في “الاستقصا” أن السلطان المولى إسماعيل كان يثق في تجار اليهود ويوكل إليهم مهاماً دبلوماسية حساسة مع القوى الأوروبية.
الدور الاقتصادي للمكون العبري: تجار السلطان وصناعة الذهب
لعب سكان الملاح دور الرئة الاقتصادية للمغرب. فمنذ عصور قديمة، برعوا في مهن الصياغة، وسك العملة، وتجارة القوافل. ولم يتأثر هذا الدور حتى في أحلك الظروف، مثل ما جرى خلال تاريخ الأوبئة والمجاعات في المغرب القديم، حيث كانت خبرتهم في إدارة المخازن والتموين تسهم في تخفيف حدة الأزمات.
وفي عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله، وصل الدور الاقتصادي لليهود إلى ذروته. فمع اهتمام السلطان ببناء الأسطول البحري المغربي وتنشيط الموانئ مثل الصويرة، برز صنف جديد من النخبة الاقتصادية عرفوا بـ “تجار السلطان”. هؤلاء التجار، وأغلبهم من سكان ملاحات المغرب، كانوا الوسطاء بين القصر وبين الشركات التجارية العالمية، مما جعل المغرب قوة اقتصادية مهابة في المحيط الأطلسي.
الملاح والتعايش الثقافي: ملامح من الحياة اليومية
لم يكن الملاح سياجاً يفصل بين الثقافات، بل كان جسراً يعبرها. فالعمارة داخل الملاح، رغم خصوصيتها الدينية، كانت تتشابه في جوهرها مع العمارة المغربية التقليدية من رياضات وأقواس وفناءات مفتوحة. وفي المناسبات الاجتماعية، كان المسلمون واليهود يتبادلون الزيارات والهدايا، مما خلق هوية مغربية مركبة.
هذا التعايش تجلى أيضاً في الاحترام المتبادل للشرعية السياسية. فمنذ أهم إنجازات المولى إدريس الأول في بناء الدولة، كان اليهود ينظرون إلى السلطان باعتباره “أمير المؤمنين” وحامي حمى الملة والدين، وهو ما وفر لهم بيئة آمنة للابتكار الثقافي والديني. وحتى في فترات الانقسام، مثل مرحلة أبناء إدريس الثاني وما تلاها من تشرذم سياسي، ظل المكون العبري يحافظ على ولائه لمفهوم الدولة المركزية.
التحديات العسكرية والتحولات السياسية
لم يكن سكان الملاح بمنأى عن الصراعات العسكرية الكبرى التي خاضها المغرب. فعندما خاض الموحدون معركة الأرك الخالدة، تأثر الوضع الداخلي في المغرب بالانتصارات والتحولات في الأندلس. ومع تدفق المهاجرين الأندلسيين (من المسلمين واليهود) بعد سقوط المدن الأندلسية، ازداد الضغط العمراني على الملاحات، مما أدى إلى توسعتها وتطوير نظمها الإدارية.
ويشير الناصري في الاستقصا إلى أن السلاطين المغاربة كانوا يحرصون على تعيين “الشيخ” لكل ملاح، وهو مسؤول يمثل الطائفة أمام السلطة، ويشرف على جمع الضرائب وتنظيم الشؤون الداخلية، مما يعكس نظاماً إدارياً متقدماً يجمع بين المركزية والاستقلال الذاتي للأقليات.
خلاصة: الملاح كإرث حضاري
إن تاريخ الملاح في المغرب ليس مجرد سرد لأحداث مضت، بل هو درس في كيفية تدبير الاختلاف داخل الدولة الواحدة. من فاس الإدريسية وصولاً إلى العصر الحديث، ظل الملاح رمزاً للمساهمة العبرية في الحضارة المغربية. لقد استطاع المغرب، عبر مؤسسة السلطنة، أن يجعل من هذا المكون رافداً اقتصادياً ودبلوماسياً قوياً، مما مكن البلاد من الصمود أمام التحديات الخارجية والداخلية.
ختاماً، يمكن القول إن دراسة تاريخ الملاح تفرض علينا إعادة قراءة تاريخ المغرب ليس كصراع هويات، بل كتفاعل إيجابي أنتج نموذجاً فريداً من العيش المشترك، حيث تداخلت فيه مصالح المخزن مع حيوية التجار والحرفيين، ليشكلوا جميعاً لوحة مغربية أصيلة لا تزال معالمها شاهدة في أزقة فاس ومراكش ومكناس.