فاطمة الفهرية: سيرة مؤسسة أقدم جامعة في العالم وقصة النهضة العلمية في المغرب

فاطمة الفهرية: سيرة مؤسسة أقدم جامعة في العالم وإرثها الخالد

تُعد فاطمة الفهرية، الملقبة بـ “أم البنين”، واحدة من أعظم الشخصيات النسائية في التاريخ الإسلامي والإنساني على حد سواء. لم تكن مجرد امرأة غنية ورثت ثروة طائلة، بل كانت صاحبة رؤية حضارية سبقت بها عصرها بقرون، حيث استطاعت تحويل تلك الثروة إلى مشروع تعليمي ومعماري صمد لأكثر من ألف عام، متمثلاً في جامع وجامعة القرويين بمدينة فاس المغربية.

نشأة فاطمة الفهرية ورحلة الهجرة إلى مدينة فاس

ولدت فاطمة الفهرية بنت محمد بن عبد الله الفهري في مدينة القيروان بتونس الحالية، في أواخر القرن الثاني الهجري. كانت تنتمي إلى أسرة عربية عريقة من قريش، عُرفت بالعلم والصلاح والثراء. في تلك الفترة، كانت مدينة فاس في المغرب الأقصى تشهد نهضة عمرانية وسياسية في ظل حكم الأدارسة، مما جذب العائلات من القيروان والأندلس للاستقرار فيها.

انتقلت فاطمة مع أسرتها وزوجها إلى فاس في عهد المولى إدريس الثاني، واستقروا في “عدوة القرويين”. لم يمر وقت طويل حتى توفي والدها ثم زوجها، لتجد فاطمة نفسها وشقيقتها مريم في مواجهة مسؤولية كبيرة تجاه الثروة الضخمة التي ورثتاها. وبدلاً من إنفاق المال في الترف، قررت الشقيقتان تخليد ذكرى أسرتهما من خلال مشاريع تخدم المجتمع الإسلامي الناشئ.

تأسيس جامع القرويين: الرؤية والمنهج

في عام 245 هـ (859 م)، شرعت فاطمة الفهرية في بناء جامع القرويين. وتقديراً لورعها وتقواها، نُقل عنها أنها نذرت ألا تفطر طوال مدة البناء التي استغرقت نحو 18 عاماً. لم يقتصر دورها على التمويل فقط، بل أشرفت بنفسها على عمليات الحفر والبناء، حيث أصرت على أن تكون مواد البناء من أحجار وأتربة مستخرجة من الأرض نفسها التي اشترتها، لضمان طهارة المكان وحليته المطلقة.

لقد كان هذا الصرح يعكس بوضوح عبقرية العمارة في الحضارة الإسلامية، حيث تميز الجامع في بدايته ببساطة التصميم قبل أن تتوسع فيه الدول المتعاقبة ليصبح تحفة معمارية تضم أروقة واسعة وقباباً مزخرفة وثريات ضخمة تعكس ذوقاً فنياً رفيعاً.

من مسجد إلى جامعة: مهد العقل العالمي

سرعان ما تحول جامع القرويين من مكان للعبادة إلى مركز علمي متكامل. بفضل الأوقاف التي خصصتها فاطمة الفهرية، بدأ العلماء يتوافدون إليه من كل حدب وصوب، مما أدى إلى نشوء حلقات دراسية في مختلف العلوم؛ من الفقه والتفسير إلى الطب والفلك والرياضيات.

لعبت القرويين دوراً محورياً في تعزيز التواصل العلمي بين المغرب والأندلس، حيث كان الطلاب والعلماء ينتقلون بين فاس وقرطبة وغرناطة، حاملين معهم المخطوطات والأفكار التي ساهمت في بناء نهضة فكرية مشتركة بين الضفتين.

إنجازات فاطمة الفهرية في أرقام وحقائق

الحدث التاريخ/التفاصيل
تاريخ تأسيس القرويين 1 رمضان 245 هـ / 859 م
اللقب الشهير أم البنين
مدة الصيام خلال البناء حوالي 18 عاماً
أبرز الخريجين/الدارسين ابن خلدون، ابن باجة، الشريف الإدريسي، والبابا سيلفستر الثاني
تصنيف غينيس أقدم جامعة مستمرة في العالم

الأثر الثقافي والاجتماعي لجامعة القرويين

لم يكن تأثير فاطمة الفهرية محلياً فقط، بل امتد ليشمل العالم بأسره. جامعة القرويين هي التي أدخلت نظام الكراسي العلمية، والدرجات الأكاديمية، والزي الجامعي الذي تطور لاحقاً في الجامعات الأوروبية. يُحكى أن البابا سيلفستر الثاني (جيربرت دي أوريلاك) درس في القرويين، ونقل منها الأرقام العربية إلى أوروبا، مما أحدث ثورة في الحساب والعلوم الغربية.

كما ضمت الجامعة مكتبة ضخمة تُعد من أقدم المكتبات في العالم، تحتوي على مخطوطات نادرة في شتى الفنون، مما جعلها مقصداً لطلاب العلم والباحثين عن المعرفة من مختلف الجنسيات والأديان، مجسدةً قيم التسامح والانفتاح التي ميزت الحضارة الإسلامية في أوج ازدهارها.

فاطمة الفهرية كرمز للمرأة المسلمة الرائدة

تمثل سيرة فاطمة الفهرية رداً عملياً وتاريخياً على الادعاءات التي تهمش دور المرأة في التاريخ الإسلامي. لقد كانت فقيهة، عالمة، ومستثمرة ذكية، استوعبت أن التنمية الحقيقية تبدأ من بناء العقول. وبفضل إخلاصها، نال المغرب شرف احتضان أقدم مؤسسة للتعليم العالي في العالم، متفوقة بقرون على جامعات بولونيا وأكسفورد وباريس.

خاتمة: إرث لا ينقطع

توفيت فاطمة الفهرية في حوالي عام 266 هـ، لكن اسمها ظل محفوراً في ذاكرة الزمن. كل مئذنة تُرفع، وكل طالب علم يتخرج من القرويين، هو ثمرة لتلك الصدقة الجارية التي بدأتها امرأة آمنت بأن العلم هو النور الذي لا ينطفئ. اليوم، تظل القرويين شامخة في قلب مدينة فاس القديمة، شاهدة على عصر ذهبي كانت فيه المرأة المسلمة شريكة أساسية في صنع الحضارة.


المصادر والمراجع:

  • ابن أبي زرع الفاسي، “الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس”.
  • عبد الهادي التازي، “جامع القرويين: المسجد والجامعة بمدينة فاس”.
  • محمد المنتصر الكتاني، “فاس عاصمة الأدارسة”.

الأسئلة الشائعة حول فاطمة الفهرية (FAQ):

1. من هي فاطمة الفهرية؟
هي فاطمة بنت محمد الفهرية، امرأة صالحة هاجرت من القيروان إلى فاس، وأسست جامع وجامعة القرويين في القرن التاسع الميلادي.

2. ما هي أهمية جامعة القرويين التي أسستها؟
تعتبرها منظمة اليونسكو وموسوعة غينيس للأرقام القياسية أقدم جامعة لا تزال تعمل في العالم دون انقطاع.

3. هل كانت فاطمة الفهرية تعمل بمفردها؟
تعاونت مع أختها مريم التي بنت “جامع الأندلس” في فاس، مما يعكس دور الأسرة الفهرية في النهضة العمرانية للمدينة.


سؤال للجمهور: كيف يمكن في عصرنا الحالي استلهام تجربة فاطمة الفهرية في دعم الأوقاف التعليمية والمبادرات النسائية العلمية؟ شاركونا آراءكم في التعليقات.

أضف تعليق