إمارة بورغواطة: اللغز التاريخي والمذهب الديني المفقود في بلاد المغرب

إمارة بورغواطة: اللغز التاريخي والمذهب الديني المفقود في بلاد المغرب

يعد تاريخ بلاد المغرب حافلاً بالكيانات السياسية التي شكلت استثناءً في مسار التاريخ الإسلامي، إلا أن ظاهرة “إمارة بورغواطة” تظل الأكثر إثارة للجدل والغموض. لم تكن بورغواطة مجرد إمارة قبلية عابرة، بل كانت مشروعاً سياسياً ودينياً صمد لأكثر من ثلاثة قرون في منطقة “تامسنا” (الشاوية حالياً)، متحديةً بذلك كبرى الإمبراطوريات التي تعاقبت على حكم المغرب. يستعرض هذا المقال، استناداً إلى المصادر التاريخية الكبرى مثل “الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى” للناصري و“روض القرطاس” لابن أبي زرع الفاسي، تفاصيل هذا المذهب المفقود والجذور السياسية لهذه الإمارة اللغز.

الجذور التاريخية والنشأة: ثورة على المركزية

تأسست إمارة بورغواطة في القرن الثامن الميلادي (الثاني الهجري)، في سياق اتسم بالاضطرابات الكبرى التي تلت الفتح الإسلامي للمغرب. كانت المنطقة تعيش على وقع الصراعات بين الولاة الأمويين والقبائل الأمازيغية التي رفضت سياسات التهميش والضرائب المجحفة. وفي هذا الصدد، يذكر الناصري في كتابه الاستقصا أن حركة بورغواطة ولدت من رحم “الثورة الخوارجية” التي قادها ميسرة المدغري، حيث كان طريف بن مالك (والد صالح مؤسس المذهب) أحد القادة العسكريين البارزين في هذا الحراك.

على عكس قبيلة أوربة الأمازيغية التي احتضنت المولى إدريس الأول وأسست لشرعية آل البيت في المغرب، اختارت قبائل بورغواطة (وهي فرع من مصمودة) مساراً مختلفاً تماماً، حيث أسست لكيان مستقل جغرافياً وعقائدياً، بعيداً عن السلطة المركزية في القيروان أو دمشق، وحتى عن السلطة الناشئة في فاس.

صالح بن طريف: نبي الأمازيغ والقرآن المفقود

الشخصية المركزية في هذا اللغز هي صالح بن طريف، الذي يصفه صاحب روض القرطاس بأنه الرجل الذي ادعى النبوة وصاغ مذهباً دينياً هجيناً جمع بين شعائر الإسلام وبعض المعتقدات المحلية والتشريعات الخاصة. لم يكن صالح مجرد حاكم، بل اعتبره أتباعه “المسيح” أو “المهدي المنتظر” الذي سيعيد العدل للأرض.

أخطر ما يذكره المؤرخون عن بورغواطة هو “القرآن الأمازيغي” الذي وضعه صالح بن طريف. ويؤكد الناصري في الاستقصا أن هذا الكتاب كان يضم ثمانين سورة، سميت بعضها بأسماء الأنبياء وبعضها بأسماء حيوانات مثل سورة الديك وسورة الجراد. وكان الأتباع يتلون هذا الكتاب في صلواتهم، مما جعل الفقهاء والعلماء في ذلك العصر يصنفونهم ضمن الفرق الخارجة عن الملة. ومع ذلك، يرى بعض الباحثين المعاصرين أن هذا المذهب كان محاولة “لتمصير” الإسلام (أي جعله ذا طابع محلي) رداً على السيطرة الثقافية العربية في ذلك الوقت.

المجال الجغرافي: تامسنا قلعة الصمود

امتد نفوذ بورغواطة على أراضي شاسعة وخصبة عرفت قديماً باسم “تامسنا”، وهي المنطقة الممتدة من مدينة سلا شمالاً إلى أسفي جنوباً. كانت هذه الأرض بمثابة حصن طبيعي بفضل غاباتها الكثيفة ومواردها المائية. تمكنت الإمارة من بناء نظام اقتصادي قوي، مستفيدة من موانئ الأطلسي ومسالك التجارة الداخلية.

في الوقت الذي كانت فيه سجلماسة المفقودة تسيطر على تجارة الذهب القادمة من جنوب الصحراء، كانت بورغواطة تشكل حاجزاً أمام تمدد القوى المجاورة نحو السواحل الأطلسية. وقد دخلت في صراعات مريرة مع الأدارسة، حيث حاول إدريس الثاني في عدة مناسبات إخضاعهم، لكن قوة جيشهم وانغلاق مجتمعهم حالا دون ذلك.

العقيدة والشعائر: بين الغرابة والسياسة

بحسب ما نقله ابن أبي زرع في روض القرطاس، تميز المذهب البورغواطي بتشريعات تثير الدهشة، ومنها:

  • الصلاة: كانت تؤدى خمس مرات، لكن بكيفيات مختلفة، حيث يسجد المصلي بوضع يديه على الأرض ورفع جبهته، مع تلاوة باللغة الأمازيغية.
  • الصوم: فرضوا صيام شهر رجب بدلاً من شهر رمضان، وصيام أيام أخرى في السنة.
  • الزواج: أباحوا تعدد الزوجات بلا حدود، وحرموا زواج الأقارب من جهة الأعمام والأخوال تشديداً على الروابط القبلية الواسعة.
  • التحريمات: حرموا أكل الديك، واعتبروه مقدساً لأنه ينبه للصلاة.

هذه المنظومة العقائدية لم تكن مجرد طقوس عبادية، بل كانت أداة لتمزيق الروابط مع المشرق الإسلامي وبناء هوية قومية أمازيغية مستقلة تماماً. وهذا الانفصال هو ما جعل الفقهاء يشنون عليهم حروباً إعلامية وعسكرية مستمرة.

الصراع مع القوى المجاورة: الأدارسة والأندلسيون

عاش المغرب خلال القرن الثالث الهجري حالة من التفتت السياسي، فبعد وفاة إدريس الثاني، تشتت السلطة بين أبناء إدريس الثاني، مما أضعف الدولة الإدريسية المركزية. استغلت بورغواطة هذا الضعف لتعزيز سيطرتها، بل إنها شكلت تهديداً مباشراً لمدينة فاس، خاصة جهة عدوة الأندلس في فاس التي كانت منارة للعلم والسنة.

لم يقتصر صراع بورغواطة على جيرانهم في الداخل، بل امتد ليشمل القوى المتوسطية. فبالرغم من عدم امتلاكهم لأسطول ضخم يضاهي الأسطول البحري المغربي في عهود لاحقة، إلا أنهم دافعوا عن سواحلهم بضراوة ضد غارات النورمان (الفايكنغ) وهجمات الأمويين من الأندلس. كانت استراتيجيتهم العسكرية تعتمد على “الأرض المحروقة” والانسحاب نحو الغابات الكثيفة في تامسنا، وهو تكتيك يشبه ما نراه في دراسات معركة أنوال الخالدة من حيث استخدام التضاريس لصالح المقاومة المحلية.

تامسنا في مواجهة المد المرابطي

استمرت إمارة بورغواطة كشوكة في خاصرة المغرب حتى ظهور حركة المرابطين الإصلاحية. اعتبر عبد الله بن ياسين، المنظر الروحي للمرابطين، أن القضاء على بورغواطة أولوية شرعية تسبق حتى الجهاد في الأندلس. ففي نظر المرابطين، لا يمكن بناء إمبراطورية إسلامية موحدة بينما توجد في قلب المغرب جماعة تدعي النبوة وتخالف الأصول.

بدأت الحملات المرابطية على تامسنا، وكانت معارك طاحنة سقط فيها عبد الله بن ياسين نفسه شهيداً في إحدى المواجهات مع البورغواطيين. يذكر الناصري في الاستقصا أن المرابطين واجهوا مقاومة لم يعهدوها من قبل، حيث كان البورغواطيون يقاتلون بعقيدة مستميتة دفاعاً عن وجودهم. تطلب الأمر سنوات طويلة من الحصار والحروب لاستنزاف قواهم. وفي هذه الفترة، وبينما كان المرابطون يبنون قوتهم، نجد تجليات عبقريتهم في العمران والري كما في نظام الخطارات في مراكش، وهو ما يعكس التباين الحضاري بين مشروع المرابطين الوحدوي وعزلة بورغواطة.

النهاية على يد الموحدين

رغم الضربات القاصمة التي وجهها المرابطون، إلا أن الوجود البورغواطي لم يختفِ تماماً إلا في عهد الموحدين. قاد عبد المؤمن بن علي الكومي حملة نهائية استهدفت ما تبقى من معاقلهم. وبحسب روض القرطاس، فإن الموحدين، الذين كانت لديهم أيضاً صبغة مهدوية وعقائدية صارمة، لم يتساهلوا مع البورغواطيين، فتم إخضاع المنطقة بالكامل، ونُقلت العديد من القبائل المصمودية إلى مناطق أخرى لتفكيك كتلتهم البشرية.

تلاشت الإمارة سياسياً ودينياً، لكن بقايا تأثيراتها ظلت حاضرة في الذاكرة الشعبية المغربية. لقد كانت تجربة بورغواطة درساً في كيفية تشكل الهويات السياسية المبنية على تسييس الدين في بيئات قبلية مغلقة. ولم تكن هذه الديناميكية بعيدة عما شهدته عصور لاحقة من صراعات، مثل ما واجهته الدولة الوطاسية وصراع البقاء ضد التهديدات الخارجية، حيث كان التماسك الداخلي هو مفتاح الاستمرار.

لماذا اختفت بورغواطة من الذاكرة الرسمية؟

يُطرح سؤال جوهري: لماذا لا نجد ذكراً كبيراً لبورغواطة في كتب التاريخ المدرسي بينما نجد تفاصيل وافية عن مملكة موريطنية الطنجية أو الدول الكبرى؟ السبب يعود إلى “الوصمة الدينية” التي لحقت بهم. فالمؤرخون المسلمون، ومنهم الناصري وابن أبي زرع، تعاملوا مع تاريخ بورغواطة من منظور “الردة” و”الهرطقة”، مما جعل تدوين تاريخهم يتسم بنوع من التحامل أو التغييب المتعمد لكل ما هو إيجابي في تجربتهم الإدارية أو العسكرية.

ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن بورغواطة كانت تمثل تياراً “قومياً أمازيغياً” مبكراً حاول التعبير عن نفسه بلغة الدين. هذا التوجه تكرر بصور مختلفة في تاريخ المغرب، حتى في التنظيمات العسكرية التي اعتمدت على الولاء المطلق كما في حالة جيش عبيد البخاري في عهد المولى إسماعيل، حيث كانت السلطة المركزية تسعى دائماً لخلق قوى تدين لها بالولاء العقائدي أو العسكري المتين لتجاوز الانقسامات القبلية.

المكون العبري والتعايش في ظل بورغواطة

من النقاط الغامضة أيضاً في تاريخ هذه الإمارة هو موقفها من الأقليات الدينية. تشير بعض الدراسات إلى أن تامسنا كانت تضم تجمعات يهودية استقرت في المنطقة لممارسة التجارة والزراعة. وبالعودة إلى تاريخ الملاح في المغرب، نجد أن التواجد العبري كان قديماً جداً وسابقاً حتى للإسلام، ويبدو أن بورغواطة بتوجهها الذي كان يعتبره البعض “مارقاً” كانت توفر نوعاً من الاستقلالية المحلية التي سمحت بممارسة الأنشطة الاقتصادية بحرية، بعيداً عن قيود الجزية والذمة التي كانت تفرضها الدول المركزية بصرامة أكبر.

خاتمة: بورغواطة بين الأسطورة والحقيقة التاريخية

إن إمارة بورغواطة لم تكن مجرد انحراف ديني كما تصفها المصادر التقليدية، بل كانت تعبيراً عن رغبة جزء من المجتمع الأمازيغي في المغرب الأقصى في إيجاد مسار ثالث بين الخلافة الأموية والعباسية وبين التمدد الشيعي الفاطمي. لقد سقطت بورغواطة عسكرياً، لكنها تركت بصمتها في جغرافيا المغرب وسوسيولوجيا قبائله.

إن دراسة معاركهم الكبرى، والتي تضاهي في شدتها معركة الأرك الخالدة من حيث حجم التعبئة، تكشف عن مدى التنظيم الذي كان يتمتع به هؤلاء. وتبقى قصص السيدة كنزة الأوربية ودورها في بناء الدولة الإدريسية المنافسة، مكملاً للصورة التاريخية التي تظهر المغرب كبوتقة لصراع الهويات والمذاهب.

في الختام، يظل المذهب البورغواطي لغزاً مدفوناً تحت رمال تامسنا، ينتظر المزيد من البحث الأركيولوجي والتحقيق في المخطوطات لإزالة غبار القرون عن واحدة من أكثر فترات التاريخ المغربي غموضاً وتعقيداً.

المصادر والمراجع:

  1. أحمد بن خالد الناصري، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، دار الكتاب، الدار البيضاء.
  2. ابن أبي زرع الفاسي، الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، دار المنصور، الرباط.
  3. ابن خلدون، العبر وديوان المبتدأ والخبر (فصل قبائل بورغواطة).

أضف تعليق