الأسطول البحري المغربي في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله: دبلوماسية القوة في المحيط الأطلسي
مقدمة: الانعطافة الأطلسية في الفكر الاستراتيجي المغربي
شهد القرن الثامن عشر تحولات جيوسياسية كبرى أعادت رسم موازين القوى في حوض البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي. وفي هذا السياق، برزت شخصية السلطان سيدي محمد بن عبد الله (1757-1790م) كواحد من أعظم سلاطين الدولة العلوية، ليس فقط لقدرته على تثبيت دعائم الدولة بعد فترة من الاضطراب، بل لرؤيته الاستراتيجية التي نقلت الثقل المغربي من الانكفاء الداخلي إلى الانفتاح البحري والدبلوماسي.
لقد أدرك السلطان سيدي محمد بن عبد الله أن السيادة المغربية لا يمكن أن تكتمل دون أسطول بحري قوي يفرض الهيبة ويحمي السواحل، ويحول المغرب من طرف مدافع إلى قوة إقليمية شريكة في التجارة الدولية. هذه الرؤية لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت استحضاراً للمجد البحري المغربي الذي وثقه المؤرخون عبر العصور، كما نجد في “روض القرطاس” لابن أبي زرع الذي وصف عظمة الأساطيل المغربية في عهود سابقة، مؤكداً على الجذور التاريخية للقوة البحرية المغربية.
“وكانت أساطيله في البحر قد ملأت الآفاق، فكانت السفن تخرج من سواحل المغرب إلى بلاد الأندلس وغيرها، محمولة بالرجال والعتاد، فكان للمغرب في البحر هيبة لا تُضاهى، وسطوة لا تُجارى.”
— ابن أبي زرع الفاسي، الأنيس المطرب بروض القرطاس.
الوضع السياسي وبناء القوة البحرية
تولى سيدي محمد بن عبد الله الحكم والمغرب يخرج من فترة عصيبة عرفت بـ “فترة الاضطراب” بعد وفاة المولى إسماعيل. كانت السواحل المغربية عرضة للتهديدات المستمرة من القوى الأوروبية، وخاصة إسبانيا والبرتغال وفرنسا. لذلك، جعل السلطان من إعادة بناء الأسطول أولوية قصوى. لم يكتفِ السلطان بترميم ما كان قائماً، بل نهج سياسة تحديث شاملة شملت بناء السفن في الموانئ المغربية وشراء أخرى من الخارج (هولندا والدنمارك).
يصف المؤرخ الناصري في “الاستقصا” هذا الاعتناء السلطاني الفائق بأمر البحر، وكيف تحول المغرب في عهده إلى ورشة كبرى لبناء السفن وصناعة المدافع، حيث قال:
“وكان السلطان رحمه الله شديد الاعتناء بأمر البحر، والبحث عن أحواله، وتدبير عمارته، واقتناء آلاته، حتى إنه كان لا يمر به يوم إلا ويسأل عن أحوال المراكب وما تجدد فيها، وكان قد جمع من المراكب البحرية عدداً لم يجتمع لغيره من ملوك الدولة، وصار المغرب في عهده مهاب الجانب، مرعى الجناب في البر والبحر.”
— أحمد بن خالد الناصري، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى.
ميناء الصويرة: بوابة الدبلوماسية والتجارة
تعتبر مدينة الصويرة (موغادور) الدرة التاج في المشروع البحري للسلطان سيدي محمد بن عبد الله. أسسها عام 1760م لتكون ميناءً ملكياً استراتيجياً يربط المغرب بالعالم. لم تكن الصويرة مجرد ميناء تجاري، بل كانت قلعة عسكرية مجهزة بأحدث المدافع، صممها مهندسون أوروبيون تحت إشراف السلطان مباشرة.
من خلال الصويرة، استطاع السلطان التحكم في التجارة الأطلسية، وفرض نظام “الترتيب” الجمركي، مما وفر لخزينة الدولة الموارد اللازمة للإنفاق على الأسطول. كانت السفن المغربية تنطلق من الصويرة والرباط وسلا وطنجة والعرائش، لا لغرض القرصنة (الجهاد البحري) بصورتها التقليدية فحسب، بل لتأمين الملاحة وفرض الضرائب على السفن المارة بالقرب من المياه الإقليمية المغربية.
الأسطول كأداة للدبلوماسية: المعاهدات الدولية
تميز عهد سيدي محمد بن عبد الله بما يعرف بـ “دبلوماسية القوة”. فقد كان يستخدم الأسطول للضغط على القوى الأوروبية لتوقيع معاهدات سلام وتجارة متوازنة. ومن أشهر هذه المعاهدات تلك التي وقعت مع الولايات المتحدة الأمريكية عام 1786م، حيث كان المغرب أول دولة تعترف باستقلال الولايات المتحدة.
كان السلطان يدرك أن القوة البحرية هي المفتاح للاعتراف الدولي. فبدلاً من الحروب المفتوحة، كان ينهج سياسة “السلام المسلح”. إذا امتنعت دولة عن دفع الجزية أو التوقيع على معاهدة تضمن حقوق المغاربة، كان يصدر أوامره للأسطول بالتحرك لاعتراض سفنها، مما يجبرها على العودة إلى طاولة المفاوضات.
“ولم يزل السلطان سيدي محمد بن عبد الله يغزي الأساطيل في البحر، ويشن الغارات على بلاد الكفار، حتى هابته ملوك الإفرنج، وأذعنوا لطاعته، وتسابقوا إلى خطب وده، وبعثوا إليه الهدايا والتحف، وطلبوا منه الأمان لسفنهم في البحر، فكان لا يعطي الأمان إلا بشروط تعود بالنفع على المسلمين.”
— أحمد بن خالد الناصري، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى.
هيكلة الأسطول وتدريب البحارة
لم يكن الأسطول المغربي في هذا العهد عشوائياً، بل كان منظماً تنظيماً دقيقاً. شمل الأسطول أنواعاً مختلفة من السفن مثل “الفرقاطات” (Frigates) و”البريكات” و”الشليتات”. كما استعان السلطان بخبرات أجنبية في مجال الملاحة والهندسة البحرية، مع الحرص على تكوين نخب مغربية من “الرايس” (قادة السفن) الذين اكتسبوا خبرة كبيرة في خوض المعارك البحرية ومواجهة العواصف الأطلسية.
كان ميناء العرائش مركزاً رئيساً لصناعة السفن بفضل قربه من غابات المعمورة التي توفر الخشب الجيد. ويروي الناصري في الاستقصا كيف كان السلطان يشرف بنفسه على تدشين السفن الجديدة، مما يعكس الأهمية الرمزية والسياسية لهذا القطاع.
الجهاد البحري: من المبادرة الفردية إلى مؤسسة الدولة
قبل عهد سيدي محمد بن عبد الله، كان الجهاد البحري يعتمد بشكل كبير على المبادرات شبه المستقلة (مثل جمهورية بورقراق). لكن السلطان قام بمركزه هذا النشاط تحت سلطة الدولة المباشرة. أصبح “الرايس” موظفاً لدى المخزن، والسفينة ملكاً للدولة، والغنائم توزع وفقاً لقوانين شرعية وإدارية صارمة.
هذا التحول كان ضرورياً لتحويل المغرب من صورة “دولة القراصنة” في المخيال الأوروبي إلى صورة “الدولة ذات السيادة” التي تمارس حقها في حماية مياهها. وقد أشار ابن أبي زرع في سياق تاريخي مشابه لعظمة الأساطيل المنظمة:
“إن القوة في البحر هي عمارة الثغور، وحماية البيضة، وصون الأعراض، وهي السبيل لرفع راية الإسلام في الآفاق، وبدونها يطمع العدو في الديار.”
— ابن أبي زرع الفاسي، الأنيس المطرب بروض القرطاس.
التحديات والمواجهات البحرية
لم تكن طريق السلطان محفوفة بالورود، فقد واجه تحديات عسكرية كبرى. من أبرزها المواجهات مع الأسطول الفرنسي والبرتغالي. ففي عام 1765م، وقعت معركة العرائش ضد الفرنسيين، ورغم الخسائر، إلا أنها أظهرت صمود المغاربة وقدرتهم على الدفاع عن ثغورهم. كما استطاع السلطان تحرير مدينة مازاغان (الجديدة) من البرتغاليين عام 1769م، وهو نصر لم يكن ليتحقق لولا الحصار البحري والبري المتكامل.
هذه المواجهات صقلت مهارات البحارة المغاربة وجعلت من الأسطول قوة يُحسب لها ألف حساب في المحيط الأطلسي، وهو ما دفع الدول الكبرى مثل بريطانيا وهولندا إلى التزام الحذر والحرص على علاقات ودية مع البلاط المغربي.
الإرث البحري لسيدي محمد بن عبد الله
إن النجاح الذي حققه سيدي محمد بن عبد الله لم يكن عسكرياً فحسب، بل كان حضارياً بامتياز. فقد استطاع أن يربط المغرب بشبكة التجارة العالمية، وأن يجعل من العملة المغربية عملة مقبولة في التداولات الدولية. والأسطول كان هو الضامن لهذا الاستقرار الاقتصادي.
عندما نتأمل في تاريخ المغرب، نجد أن فترة سيدي محمد بن عبد الله تمثل “العصر الذهبي” للبحرية المغربية في العصر الحديث. لقد أثبت أن المغرب، بموقعه الاستراتيجي بين البحرين، لا يمكن أن يعيش بمعزل عن المحيط، وأن قوته تستمد من قدرته على ركوب الأمواج والتحكم في الممرات المائية.
“فانتعشت البلاد في أيامه، ودرت الأرزاق، وكثرت الخيرات، وأمنت السبل، وصار المغرب قبلة للتجار من كل حدب وصوب، كل ذلك بفضل حسن تدبيره واهتمامه بحماية السواحل وعمارة المراكب.”
— أحمد بن خالد الناصري، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى.
خاتمة
إن دراسة تاريخ الأسطول البحري المغربي في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله تكشف عن عبقرية فذة في إدارة الدولة. لم يكن السلطان مجرد قائد عسكري، بل كان دبلومأسياً محنكاً عرف كيف يوظف القوة البحرية لخدمة السلم والتنمية. إن دروس تلك المرحلة لا تزال ملهمة إلى اليوم، حيث تبرز أهمية الواجهة الأطلسية للمغرب كجزء لا يتجزأ من هويته الجيوسياسية وعمقه الاستراتيجي.
لقد استطاع هذا السلطان العظيم أن يعيد للمغرب هيبته التي وصفها المؤرخون الأوائل في “روض القرطاس”، وأن يكتب فصلاً جديداً من فصول العزة المغربية في “الاستقصا”، مبرهناً على أن المغرب كان وسيبقى قوة بحرية ضاربة الجذور في التاريخ.