المقدمة: فجر الدولة المغربية المستقلة
لا يمثل المولى إدريس بن عبد الله مجرد حاكم عابر في تاريخ الغرب الإسلامي، بل هو حجر الزاوية الذي استندت إليه الهوية الوطنية المغربية في تشكلها الأول. فبظهوره في المغرب الأقصى في الربع الأخير من القرن الثاني الهجري، انتهى عصر التبعية المشرقية (سواء للأمويين أو العباسيين) وبدأ عصر الدولة المستقلة التي تستمد شرعيتها من آل البيت النبوي ومن بيعة القبائل الأمازيغية الحرة. إن قصة إدريس الأول هي ملحمة تداخل فيها النسب الشريف مع الدهاء السياسي، والهروب من بطش العباسيين بآمال بناء كيان سياسي فريد في أقصى جغرافيا العالم الإسلامي آنذاك.
النسب الشريف والتكوين الشخصي: إدريس بن عبد الله
هو إدريس بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ. هذا النسب لم يكن مجرد شجرة عائلة، بل كان في العقل الجمعي الإسلامي آنذاك يمثل البديل الأخلاقي والشرعي لحكم العباسيين. تميز إدريس بن عبد الله بصفات القيادة، والزهد، والفصاحة، وهو ما أهله ليكون أحد أركان التحرك العلوي ضد الخليفة الهادي والرشيد لاحقاً.
يصفه المؤرخ ابن أبي زرع الفاسي في كتابه الشهير بعبارات تعكس هيبته ومكانته، حيث يقول:
“كان إدريس رحمه الله، إماماً عالماً، عاملاً، زاهداً، ورعاً، شجاعاً، بطلاً، صبوراً، كريماً، مفوهاً، خطيباً، ديناً، وكان من أجمل الناس وجهاً وأتمهم قداً، وأبينهم بياناً، وأثبتهم جناناً، وأشدهم في ذات الله صرامة، وكان يسمى بـ ‘المحض’ لجماله وحسنه ونسبه.” (الأنيس المطرب بروض القرطاس، ص 18)
موقعة فخ: نقطة التحول الكبرى
في عام 169هـ، شهدت منطقة “فخ” قرب مكة المكرمة معركة دامية بين العلويين والجيش العباسي. انتهت المعركة بمجزرة مروعة لآل البيت، وكان إدريس بن عبد الله من القلائل الذين نجوا من هذا الموت المحقق. هنا بدأت رحلة الشتات التي تحولت بفضل ذكائه إلى رحلة تأسيس. لم يكن خروجه من الحجاز مجرد هروب للنجاة بالروح، بل كان انتقالاً بالدعوة العلوية من ضيق الحصار في الحجاز والعراق إلى رحابة المغرب.
من وادي فخ إلى وادي ملوية: رحلة الهروب الكبير
لم تكن رحلة إدريس بن عبد الله نحو المغرب مفروشة بالورود، بل كانت مغامرة استخباراتية بامتياز. رافقه في هذه الرحلة مولاه الوفي “راشد”، الذي لعب دوراً محورياً في حمايته وتأمين طريقه. تنكر إدريس في زي خادم لراشد، وسلكا طرقاً غير مطروقة تجنباً لعيون العباسيين الذين كانوا يراقبون الموانئ والممرات.
يشير الناصري في كتابه “الاستقصا” إلى دقة هذه الرحلة وتفاصيلها المثيرة، مؤكداً على دور “واضح” مولى صالح بن منصور (عامل مصر) الذي ساعدهما في عبور مصر سراً رغم الرقابة المشددة. يقول الناصري:
“خرج إدريس بن عبد الله ومولاه راشد من الحجاز يطويان الأرض، لا يأويان إلى مدينة ولا يمران بمكان إلا تنكرا فيه، حتى وصلا إلى مصر، ومنها توجها نحو الغرب في خفية تامة، يكمنان بالنهار ويسيران بالليل، حتى جازا إفريقية (تونس) ودخلا أرض المغرب الأقصى.” (الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، ج1، ص 138)
وصل إدريس إلى مدينة طنجة أولاً عام 172هـ، وكانت آنذاك مركزاً تجارياً وعسكرياً مهماً، لكنه لم يجد فيها الأمان الكافي أو القاعدة القبلية القوية التي تمكنه من تأسيس أمره، فانتقل بذكاء سياسي إلى مدينة “وليلي” (Volubilis) الرومانية القديمة، حيث تقطن قبائل أوربة القوية.
سياق “بيعة وليلي” عام 172هـ ودور قبائل أوربة الأمازيغية
عند وصول إدريس إلى وليلي، نزل ضيفاً على زعيم قبائل أوربة، إسحاق بن محمد بن عبد الحميد الأوربي. كانت بلاد المغرب في ذلك الوقت تموج بالاضطرابات وتفتقر إلى سلطة مركزية توحد القبائل المتناحرة. وجد الأمازيغ في إدريس بن عبد الله الشخصية التي تجمع بين قداسة النسب وكفاءة القيادة.
لم يفرض إدريس نفسه بالسيف، بل دخل قلوب القوم بأخلاقه وعلمه. وبعد أن تعرف إسحاق الأوربي على صدق نسبه وفضله، جمع رؤساء قبائل أوربة وعرض عليهم الأمر. وفي يوم الجمعة 4 رمضان سنة 172هـ، جرت “بيعة وليلي” التاريخية.
تفاصيل البيعة وأبعادها السياسية
كانت هذه البيعة عقداً سياسياً واجتماعياً فريداً، حيث التزم الأمازيغ بنصرة إدريس وحمايته، والتزم هو بالعدل والحكم بكتاب الله وسنة رسوله. حول هذا الحدث المفصلي، يقول ابن عذاري المراكشي:
“فبايعته أوربة بوليلي على الإمارة والقيام بأمرهم، وصلاتهم، وغزوهم، وأحكامهم، ثم بعد ذلك بايعته قبائل البربر من زواغة، ولواتة، وسدراتة، وغياثة، ونفزة، ومكناسة، وغمارة، وكافة قبائل البربر بالمغرب الأقصى، فاشتد سلطانه وعظم شأنه.” (البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، ج1، ص 73)
هذه البيعة لم تكن مجرد ولاء لشخص، بل كانت إعلاناً رسمياً عن ميلاد “الدولة المغربية” المستقلة تماماً عن الخلافة العباسية في بغداد، مما جعل المغرب أول إقليم إسلامي يخرج عن سيطرة العباسيين دون أن يدخل في فلك الأمويين في الأندلس، مشكلاً “قطباً ثالثاً” في العالم الإسلامي.
إنجازات إدريس الأول السياسية والعمرانية
بمجرد استتباب الأمر له في وليلي، بدأ إدريس الأول في ممارسة مهامه كمؤسس لدولة. لم يكتفِ بالجانب الروحي، بل شرع في توحيد المغرب سياسياً وعسكرياً.
1. التوسع العسكري وتوحيد القبائل
قاد إدريس حملات عسكرية لتأمين حدود دولته الناشئة وتطهيرها من بقايا العقائد المنحرفة والخوارج. توجه نحو بلاد “تامسنا” (منطقة الشاوية الحالية) وفتح مدينة شالة، ثم توجه نحو “فازاز” (جبال الأطلس المتوسط). استطاع إدريس بفضل هيبته العلوية أن يقنع الكثير من القبائل بالدخول في طاعته سلماً، ومن رفض منهم واجهه بحزم عسكري.
2. بناء النواة الأولى لمدينة فاس
رغم أن الفضل الأكبر في بناء فاس يعود لابنه إدريس الثاني، إلا أن المصادر التاريخية تشير إلى أن إدريس الأول هو من اختار الموقع وبدأ بوضع اللبنات الأولى. لقد أدرك ببعد نظره أن مدينة “وليلي” الرومانية ضيقة ولا تصلح لتكون عاصمة لدولة كبرى، فبحث عن موقع تتوفر فيه المياه والاراضي الخصبة والموقع الاستراتيجي، فكان اختيار ضفتي وادي سبو (موقع فاس الحالي).
3. ترسيخ المذهب السني وتحقيق الاستقرار
كان المغرب قبل وصول إدريس مسرحاً لنزاعات الخوارج الصفرية والاباضية. بفضل نهجه السني القائم على محبة آل البيت دون غلو، استطاع إدريس أن ينهي هذه الصراعات ويوحد المغاربة تحت مذهب إسلامي وسطي، مما وضع اللبنة الأولى للتدين المغربي المتميز.
النهاية المأساوية: اغتيال الجسد وخلود الفكرة
لم يمر نجاح إدريس الأول في تأسيس دولة قوية مرور الكرام على مسامع الخليفة العباسي هارون الرشيد في بغداد. شعر الرشيد بالخطر الحقيقي من قيام دولة علوية في المغرب قد تهدد ملكه، خاصة وأن نفوذ إدريس بدأ يتوسع نحو تلمسان وشرق المغرب.
لجأ الرشيد إلى سلاح الغدر بعد أن عجز عن المواجهة العسكرية لبعد المسافة. أرسل سليمان بن جرير (المعروف بالشماخ) الذي تظاهر بأنه طبيب وداعية علوي فار من بطش العباسيين. تقرب الشماخ من إدريس الأول حتى نال ثقته، وفي غفلة من الحرس، قدم له “سواكاً” مسموماً.
يصف ابن أبي زرع هذه اللحظات الأليمة قائلاً:
“لما أحس إدريس بالسم في جسده، علم أنها النهاية، ولم يزل يعالج ألم الموت حتى فاضت روحه إلى بارئها سنة 177هـ، فدفن بوليلي، وعظم حزن البربر عليه، وضاق عليهم العالم لموته، فقد كان لهم أباً رحيماً وسيداً عادلاً.” (الأنيس المطرب، ص 24)
الإرث التاريخي: إدريس الأول والوجدان المغربي
رغم أن فترة حكم إدريس الأول لم تتجاوز الخمس سنوات (172هـ – 177هـ)، إلا أن أثرها ظل باقياً لقرون. لم يمت مشروع إدريس بموته، فقد ترك زوجته “كنزة الأوربية” حاملاً، ليتولى مولاه راشد الوصاية حتى ولد إدريس الثاني الذي أكمل بناء الدولة.
لقد نجح المولى إدريس في تحويل القبائل الأمازيغية من كيانات متفرقة إلى “شعب” يحمل مشروعاً سياسياً. كما أسس لمبدأ “التحكيم الشريف” في النزاعات القبلية، وهو ما أعطى للمغرب استقراراً نسبياً ميزه عن باقي أقاليم شمال إفريقيا.
خلاصة تاريخية
إن قصة المولى إدريس الأول هي قصة تلاحم فريد بين العروبة المتمثلة في نسب آل البيت، وبين الأمازيغية المتمثلة في قبائل أوربة. هذا التلاحم هو الذي أنتج الدولة المغربية بمفهومها السيادي. إن إدريس الأول لم يكن غازياً، بل كان “مبايعاً”، وهذه النقطة هي التي منحت الدولة الإدريسية شرعيتها الشعبية العميقة التي لا تزال آثارها واضحة في ارتباط المغاربة ببيوت الأشراف وزواياهم، وفي اعتبار ضريحه بمدينة مولاي إدريس زرهون رمزاً وطنياً وروحياً لا يبارى.
لقد صدق الناصري حين أجمل أهمية هذا الرجل في تاريخ المغرب بقوله:
“لولا إدريس بن عبد الله، لظل المغرب الأقصى نهباً للحروب القبلية والمذاهب الخارجية، ولكنه جاء ليصنع من هذه الفوضى نظاماً، ومن هذا الشتات أمة.” (الاستقصا، ج1، ص 145)