رحلة البابا سيلفستر الثاني (جيربرت أورلياك) إلى فاس: أثر خريجي القرويين في النهضة العلمية لأوروبا الوسيطة

رحلة البابا سيلفستر الثاني (جيربرت أورلياك) إلى فاس: أثر خريجي القرويين في النهضة العلمية لأوروبا الوسيطة

مقدمة: الفجوة المعرفية بين ضفتي المتوسط

في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تعاني من دياجير الظلام والجهل خلال ما يُعرف بالعصور الوسطى المبكرة، كان المغرب يمر بمرحلة من الازدهار الحضاري والعلمي الذي جعل منه قبلة لطالبي العلم من شتى بقاع الأرض. ولم يكن هذا الإشعاع مقتصرًا على المحيط الإسلامي فحسب، بل امتد ليشمل الشخصيات الكنسية والأوروبية الطامحة لفك شفرات العلوم الطبيعية والرياضية. ومن أبرز هذه الشخصيات، يبرز اسم “جيربرت أورلياك”، الذي سيعتلي لاحقًا سدة البابوية باسم “سيلفستر الثاني”، كأول بابا فرنسي في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، وأول من نقل العلوم العربية والمغربية إلى أوروبا.

إن دراسة رحلة جيربرت أورلياك إلى فاس وتتلمذه في أروقة جامعة القرويين ليست مجرد سرد تاريخي لرحلة فرد، بل هي تحليل لعمق التفاعل الحضاري الذي شكلته مملكة موريطنية الطنجية عبر العصور، وصولاً إلى العصر الإسلامي الذهبي. لقد كانت فاس في القرن العاشر الميلادي تمثل قلب العالم النابض بالمعرفة، حيث تلاقحت فيها علوم الشرق والغرب.

فاس في مرآة المصادر التاريخية: روض القرطاس والاستقصا

يصف ابن أبي زرع الفاسي في كتابه الشهير “روض القرطاس” بناء مدينة فاس وجامع القرويين بدقة متناهية، مشيرًا إلى أن المدينة تأسست لتكون معقلاً للدين والعلم. ويذكر أن القرويين، التي أسستها فاطمة الفهرية عام 245 هـ، لم تكن مجرد مسجد للصلاة، بل تحولت سريعًا إلى جامعة عالمية تضم كراسي علمية في مختلف الفنون. ومن الناحية السياسية، كانت الأرضية ممهدة لاستقبال العلماء بفضل الاستقرار الذي أعقب الثورة البربرية الكبرى (740م)، التي أدت إلى استقلال المغرب عن الخلافة المشرقية وتأسيس الدولة الإدريسية.

أما الناصري في كتابه “الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى”، فيؤكد على أن فاس كانت مركزًا للتجارة والعلم معًا، حيث ربطت بين شمال القارة وجنوبها عبر محور فاس-تمبكتو الشهير. هذا المحور لم يكن لنقل الذهب والملح فقط، بل كان طريقًا لانتقال المخطوطات والأفكار بين فاس وعمق أفريقيا جنوب الصحراء. في هذا المناخ المتعدد الثقافات، وجد جيربرت أورلياك ضالته، حيث كانت المدينة تعيش حالة من التعايش الفريد، وهو ما يفسره وجود تاريخ الملاح في المغرب الذي يعكس الدور الاقتصادي والثقافي للمكون اليهودي بجانب المسلمين في بناء هذه النهضة.

رحلة جيربرت أورلياك: البحث عن “الحكمة المفقودة”

وُلد جيربرت في منطقة أورلياك بفرنسا في منتصف القرن العاشر، والتحق بدير سان جيرول، لكن طموحه المعرفي كان يفوق ما تقدمه الأديرة الأوروبية آنذاك من علوم لاهوتية محدودة. انتقل جيربرت إلى كتالونيا، التي كانت منطقة تماس حضاري مع الأندلس والمغرب. ومن هناك، تذكر المصادر التاريخية الغربية والتقاليد الشفهية المغربية رحلته نحو مدينة فاس.

في فاس، انغمس جيربرت في دراسة “العلوم الحقيقية”، وهي الحساب والهندسة والفلك والموسيقى (ما عرف لاحقًا في أوروبا بالـ Quadrivium). تعلّم هناك الأرقام العربية (الغبارية) واستخدام الصفر، وهو المفهوم الذي أحدث ثورة في العقل الرياضي الأوروبي. ويرى بعض الباحثين أن جيربرت استفاد من انفتاح المغرب على المذاهب والأفكار المختلفة، حتى تلك التي كانت تعتبر خارجة عن المألوف، مثلما كان الحال في إمارة بورغواطة أو إمارة بني مدرار في سجلماسة، حيث كانت هذه الكيانات تمثل تنوعًا فكريًا واقتصاديًا جعل من المغرب مختبرًا للأفكار.

الأثر العلمي للقرويين في أوروبا: الأرقام والأسطرلاب

بعد عودته من المغرب، بدأ جيربرت في تدريس ما تعلمه في مدارس ريمس بفرنسا. أدخل نظام العد العشري والأرقام العربية، وصمم نوعًا متطورًا من الأباكوس (المعداد). والأهم من ذلك، كان جيربرت أول من عرّف أوروبا بالأسطرلاب الكروي، وهو الآلة التي كانت تُصنع بمهارة فائقة في فاس والأندلس.

لم تكن هذه العلوم مجرد ترف فكري، بل كانت ضرورة لتنظيم الحياة العامة. فكما كانت مؤسسة الحسبة في تاريخ المغرب تعتمد على الحسابات الدقيقة لضبط الأسواق والموازين، نقل جيربرت هذه الروح التنظيمية إلى الكنيسة والإدارة الأوروبية. لقد اتُهم جيربرت بالسحر والشعوذة من قبل معاصريه لأن معارفه كانت تفوق إدراكهم، وقيل إنه “باع روحه للشيطان” مقابل تعلم هذه العلوم الغامضة من المسلمين، وهي تهمة كانت تلاحق كل من يغرف من بحر العلم العربي في تلك الآونة.

الروابط المعرفية: من سجلماسة إلى سوس

لم تكن فاس جزيرة معزولة، بل كانت مرتبطة بشبكة واسعة من المراكز العلمية. فكانت سجلماسة المفقودة تمثل بوابة المعارف القادمة من الجنوب، بينما كانت المدارس العلمية العتيقة في منطقة سوس تخرج فقهاء وعلماء ساهموا في إثراء النقاشات العلمية في القرويين. هذا الترابط الجغرافي والمعرفي هو ما جعل جيربرت يدرك أن سر قوة الحضارة الإسلامية يكمن في تكامل علومها بين النظري والتطبيقي.

إن أثر خريجي القرويين لم يتوقف عند العلوم الصرفة، بل شمل الفلسفة والطب. وعندما ارتقى جيربرت إلى منصب البابوية عام 999م، حاول تحديث الكنيسة وتطوير التعليم، مستلهمًا من النظم التعليمية التي عاينها في المغرب. ويمكن القول إن بذور النهضة الأوروبية لم تُزرع في إيطاليا خلال القرن الخامس عشر فحسب، بل بدأت بذورها الأولى في فاس قبل ذلك بقرون.

التحديات والصدامات التاريخية

على مر العصور، واجه المغرب ضغوطًا خارجية كبيرة حاولت الحد من نفوذه أو استيعاب تفوقه. فمنذ ثورات قبائل المور ضد الوجود الروماني، كان المغرب يسعى دائمًا للسيادة. وفي فترات لاحقة، أثبتت الدولة الوطاسية وصراع البقاء قدرة المغاربة على الصمود أمام الأطماع الإيبيرية.

لكن التراجع العلمي بدأ يظهر مع توالي الهزات السياسية، مثل معركة إسلي 1844، التي كشفت الفجوة التقنية التي حدثت بين المغرب وأوروبا التي كانت قد استوعبت دروس فاس وطورتها. ومع ذلك، حاول السلاطين المغاربة تدارك الأمر، كما نرى في النهضة التعليمية والعسكرية في عهد السلطان الحسن الأول، التي استهدفت تحديث المؤسسات التقليدية.

الخاتمة: إرث سيلفستر الثاني وجامعة القرويين

تظل رحلة البابا سيلفستر الثاني إلى فاس شاهدًا تاريخيًا على أن المعرفة لا حدود لها، وأن المغرب كان المورد الأساسي الذي استقت منه أوروبا عناصر نهضتها. إن خريجي القرويين، سواء كانوا من المسلمين أو من طلاب العلم المسيحيين مثل جيربرت، شكلوا جسرًا ثقافيًا ربط ضفتي المتوسط في زمن التباعد.

إن الحفاظ على هذا التراث يتطلب منا فهمًا عميقًا لتاريخنا، بدءًا من ملحمة معركة أنوال الخالدة في الدفاع عن الأرض، وصولاً إلى ثورة الملك والشعب في الدفاع عن السيادة والهوية. إن قصة جيربرت أورلياك هي قصة فاس، وهي قصة المغرب الذي كان وما يزال أرضًا للتلاقي والحوار الحضاري.

المراجع المعتمدة

  • ابن أبي زرع الفاسي، الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس.
  • أحمد بن خالد الناصري، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى.
  • ليون الإفريقي، وصف أفريقيا.
  • دراسات معاصرة في تاريخ العلوم، جيربرت أورلياك وأثره في الرياضيات الأوروبية.

أضف تعليق