مقدمة: مفصل تاريخي في مسار الدولة المغربية
تمثل بيعة المولى إدريس الثاني نقطة تحول جوهرية في تاريخ المغرب الوسيط، فهي لم تكن مجرد انتقال للسلطة من والد إلى ولد، بل كانت بمثابة ميلاد ثانٍ للدولة الإدريسية، وانتقال بها من طور “تأسيس الملجأ” إلى طور “توطيد الدولة” والمؤسسات. فإذا كان المولى إدريس الأول قد وضع اللبنة الأولى بفضل تحالفه مع قبائل أوربة البربرية، فإن ابنه إدريس الثاني قد استطاع، بفضل نبوغه السياسي وشرعيته الدينية، أن يحول هذا الكيان الناشئ إلى إمبراطورية مغربية ذات سيادة، مستقلة تماماً عن المشرق، ومركز ثقل جديد في الغرب الإسلامي.
السياق التاريخي: رحيل المؤسس وعبقرية “راشد” في الحفاظ على العهد
بعد استشهاد المولى إدريس الأول مسموماً في سنة 177هـ بمكيدة دبرها الخليفة العباسي هارون الرشيد، واجهت الدولة الناشئة خطراً وجودياً. فقد ترك المؤسس خلفه جنيناً في بطن جاريته الأمازيغية “كنزة الأوربية”. هنا برز الدور التاريخي لـ “راشد”، مولى إدريس الأول وصفيّه، الذي أظهر حنكة سياسية نادرة في تدبير مرحلة الانتقال.
لم يطمع راشد في السلطة، بل عمل على صيانة العهد الإدريسي، فأقنع قبائل البربر بالانتظار حتى تضع كنزة حملها. وبمجرد ولادة إدريس الثاني، تكفل راشد بتربيته وتعليمه فنون الفروسية والسياسة والعلوم الشرعية، مما مهد الطريق لظهور شخصية قيادية فذة رغم صغر سنها.
يقول ابن أبي زرع الفاسي في كتابه “الأنيس المطرب بروض القرطاس”: “وكان راشد رجلاً صالحاً، ديناً، شجاعاً، حازماً، عارفاً بالأمور، وهو الذي قام بأمر إدريس بن إدريس بعد وفاة أبيه، وأخذ له البيعة على قبائل البربر، وحفظه من كيد الأعداء، فرباه أحسن تربية، وعلمه القرآن والسنة والفقه والفروسية، حتى نشأ إدريس بن إدريس نشوءاً لم ينشأ مثله أحد من أولاد الملوك”.
لقد كانت فترة وصاية راشد (ومن بعده أبي خالد يزيد بن إلياس) بمثابة الجسر الذي عبرت عليه الدولة من خطر التفكك إلى الاستقرار، حيث استطاع الحفاظ على ولاء القبائل الأمازيغية للمولى الصغير، مؤكداً على شرعية آل البيت كصمام أمان لوحدة البلاد.
البيعة الأولى (بيعة الاستخلاف) بوليلي: مبايعة الفتى النابغة
في غرة شهر ربيع الأول من سنة 188هـ، شهدت مدينة وليلي التاريخية حدثاً لم يألفه المغرب من قبل؛ وهو مبايعة صبي لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره إماماً للمسلمين. لم تكن هذه البيعة عاطفية، بل كانت نتاجاً لإجماع قبلي بضرورة استمرار المشروع الإدريسي.
اجتمعت قبائل أوربة وزواغة ولواتة وسدراتة وغياثة ونفزة وغيرها من قبائل المغرب في مسجد وليلي، وبايعوا المولى إدريس الثاني على السمع والطاعة، والجهاد في سبيل الله، وإقامة العدل. كان هذا الحدث بمثابة إعلان رسمي عن فشل المؤامرة العباسية في استئصال الأدارسة، وتأكيد على أن الدولة الإدريسية أصبحت واقعاً متجذراً في التربة المغربية.
تحديات البيعة الأولى
واجه إدريس الثاني في هذه المرحلة تحدي إثبات الذات، حيث كان عليه أن يبرهن للقبائل أنه قادر على تحمل أمانة الإمامة. ويروى في المصادر التاريخية أنه كان يظهر من الفصاحة والذكاء ما يبهر شيوخ القبائل، مما عزز من ثقتهم فيه.
ويذكر الناصري في كتابه “الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى”: “بويع له بمدينة وليلي وهو ابن إحدى عشرة سنة، فقام بالأمر أحسن قيام، وضبط البلاد، وسد الثغور، وأحبته الرعية حباً شديداً، وأظهر من الشجاعة والنجدة ما لم يعهد في غيره من الكبار، فكان ذلك من آيات الله الظاهرة في هذا البيت الكريم”.
البيعة الثانية العامة 192هـ: تحول الدولة من القبلية إلى المؤسساتية
إذا كانت بيعة وليلي (188هـ) بيعة “استخلاف” محلية غلب عليها الطابع الأوربي (نسبة لقبيلة أوربة)، فإن بيعة سنة 192هـ كانت بيعة “تمكين” عامة. في هذا العام، بدأ الوفود من مختلف بقاع المغرب، بل ومن الأندلس والمشرق، يتقاطرون على المولى إدريس الثاني.
شهدت هذه السنة تحولاً ديموغرافياً وسياسياً هاماً؛ وهو قدوم الوفود العربية من القيروان ومن الأندلس. هذا التوافد أعطى المولى إدريس خيارات جديدة للتحرر من هيمنة قبيلة أوربة التي بدأت تشعر بفرط قوتها وتدعي لنفسها فضلاً على الإمام. استقبل إدريس الثاني العرب بحفاوة، وجعل منهم بطانته وحرسه، مما خلق توازناً جديداً في القوى داخل الدولة.
وفود القبائل وتجديد العهد
تقاطرت وفود العرب من قبائل الأزد، ومذحج، ولخم، وجذام، والصدف، وهوازن، وسليم. هؤلاء المهاجرون لم يأتوا كلاجئين، بل كأطر إدارية وعسكرية ساهمت في بناء دواوين الدولة. وفي ظل هذا الحشد المهيب، تجددت البيعة للإمام، وتوسع نطاق حكمه ليشمل مساحات شاسعة من المغرب، وصولاً إلى تلمسان شرقاً وبلاد السوس جنوباً.
تحليل خطبة إدريس الثاني: ميثاق الحكم والرؤية السياسية
بعد اكتمال البيعة العامة، ارتقى المولى إدريس الثاني المنبر وألقى خطبته الشهيرة التي تعتبر وثيقة سياسية وتأسيسية من الطراز الرفيع. لم تكن الخطبة مجرد وعظ ديني، بل كانت إعلاناً لمبادئ الحكم في الدولة الإدريسية.
دلالات الخطبة السياسية
- تأكيد النسب والشرعية: بدأ بتذكير الناس بنسبه الشريف، ليس تفاخراً، بل لإثبات أهليته للإمامة كوارث للنبوة.
- عقد المعاهدة بين الحاكم والمحكوم: ركز على أن الطاعة مشروطة بالعدل واتباع الكتاب والسنة.
- السيادة والاستقلال: حملت الخطبة رسائل ضمنية للخلافة العباسية بأن المغرب أرض مستقلة تحت قيادة شرعية.
- الدعوة للوحدة: خاطب العرب والبربر كأمة واحدة تحت راية الإسلام.
ورد في “الأنيس المطرب” نص من خطاب إدريس الثاني قوله: “أيها الناس، إنا لم نزل نرى حقكم واجباً علينا، ونحن نرجو أن يكون حقنا واجباً عليكم. إن الله عز وجل جعلنا وإياكم أعواناً على الحق، فكونوا لنا أعواناً على طاعة الله، نكن لكم أعواناً على ما تحبون من العدل والإنصاف. واعلموا أن هذا الأمر الذي تقلدناه ليس لنا فيه فضل عليكم إلا بما نؤديه إليكم من حق الله فيكم”.
هذا النص يظهر ملامح “التعاقد السياسي”؛ حيث يقر الإمام بأن الفضل ليس لذاته، بل لما يؤديه من واجبات تجاه الرعية. إنها رؤية متقدمة لمفهوم السلطة، تبتعد عن الاستبداد وتقترب من الشورى والعدل الاجتماعي.
نتائج البيعة: تأسيس فاس وانطلاقة الحضارة
كان من أسمى نتائج هذا التمكين وتجديد البيعة، قرار المولى إدريس الثاني بتأسيس عاصمة تليق بعظمة دولته الجديدة. فكان بناء مدينة فاس سنة 192هـ (عدوة الأندلس) ثم 193هـ (عدوة القرويين). فاس لم تكن مجرد مدينة، بل كانت تجسيداً مادياً لبيعة 192هـ، حيث جمعت بين العرب الوافدين والبربر المستوطنين، وأصبحت مركزاً للعلم والإدارة.
بفضل هذه البيعة، استطاع إدريس الثاني تنظيم الجيش، وضرب السكة (العملة الإدريسية)، وتعيين القضاة في الأمصار، وبسط الأمن في الطرق القوافل التجارية، مما جعل المغرب قوة إقليمية مهابة الجانب.
خاتمة: إرث البيعة الإدريسية
إن بيعة المولى إدريس الثاني لم تكن مجرد طقس بروتوكولي، بل كانت صرخة استقلال مغربية في وجه التبعية المشرقية، وإيذاناً بدخول المغرب عصر التدوين والمؤسسات. لقد أثبت إدريس الثاني أن الشرعية لا تستند فقط إلى النسب، بل إلى القدرة على الإنجاز وتحقيق العدل والمساواة بين مكونات المجتمع الأمازيغي والعربي.
تظل تلك البيعة في وجدان التاريخ المغربي مرجعاً أساسياً لفهم طبيعة العلاقة بين العرش والشعب، وهي العلاقة التي تأسست على ميثاق غليظ يربط بين آل البيت النبوي وبين قبائل المغرب، في وحدة انصهرت فيها الأعراق لتشكل هوية الدولة المغربية العريقة.
ويختم الناصري وصفه لتلك الحقبة قائلاً: “فلم يزل المولى إدريس يغزو بلاد الكفر، ويفتح المدن، ويهدم الحصون، وينشر الإسلام، والقبائل تطيعه وتدخل في دعوته، حتى استوثق له أمر المغرب كله، وعظم شأنه، وجلت قدرته، وصار ملوك الأرض يهابونه”.