النهضة التعليمية والعسكرية في عهد السلطان الحسن الأول: محاولات التحديث المغربية قبل فرض الحماية
يعد عهد السلطان المولى الحسن الأول (1873-1894) واحداً من أهم الفترات الانتقالية في تاريخ المغرب الحديث، حيث مثل محاولة جادة وأخيرة لإعادة هيكلة الدولة المغربية ومواجهة الأطماع الاستعمارية المتزايدة. لقد أدرك السلطان، بفضل وعيه السياسي العميق، أن البناء التقليدي الذي قامت عليه الدولة منذ عهود حركة المرابطين الإصلاحية لم يعد كافياً لمواجهة الترسانة العسكرية والعلمية الأوروبية المتطورة.
كان المغرب آنذاك يعيش تحت ضغط نفسي وعسكري خلفته الصدمات المتتالية، وفي مقدمتها معركة إسلي 1844، التي كشفت الفجوة الهائلة بين القوات المغربية التقليدية والجيوش المنظمة. ومن هنا، انطلق المشروع الحسني في مسارين متوازيين: تحديث المؤسسة العسكرية، والنهوض بالتعليم لتخطيط مستقبل يضمن السيادة الوطنية.
أولاً: السياق التاريخي والجذور الإصلاحية
قبل الخوض في تفاصيل النهضة الحسنية، يجب استحضار أن الدولة العلوية ورثت نظاماً عسكرياً كان يعتمد قديماً على تشكيلات قبلية ومكونات متنوعة، مثل جيش عبيد البخاري الذي أسسه المولى إسماعيل لضبط الأمن وتوحيد البلاد. إلا أن القرن التاسع عشر فرض شروطاً جديدة. يذكر الناصري في كتابه الشهير “الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى”، أن السلطان الحسن الأول كان مقتنعاً بأن بقاء المغرب مرهون بـ “الأخذ بأسباب القوة التي أخذ بها الروم”.
لم يكن هذا الفكر الإصلاحي وليد الصدفة، بل كان امتداداً لمحاولات سابقة، لكنها تعززت في عهد الحسن الأول بفضل الاستقرار النسبي الذي وفرته سياسته الحكيمة في التعامل مع القبائل، متبعاً نهجاً مركزياً يشبه ما قام به إدريس الثاني وتحجيم نفوذ أوربة القبلية لصالح سلطة المخزن المركزية، لضمان تنفيذ الإصلاحات دون عوائق داخلية.
ثانياً: النهضة العسكرية وإعادة بناء القوة المسلحة
ركز السلطان الحسن الأول على مأسسة الجيش وتطويره من خلال عدة خطوات إجرائية:
- تنظيم العسكر النظامي: تم العمل على تحويل الجيش من “جيش حركات” مؤقت إلى “جيش نظامي” برواتب قارة وتدريب مستمر. وقد استعان السلطان ببعثات عسكرية أجنبية (فرنسية وإنكليزية) لتدريب المشاة والمدفعية، مع الحذر من تغلغل النفوذ السياسي لهذه الدول.
- التسلح الحديث: أنفق المغرب مبالغ طائلة لاقتناء المدافع والبنادق من مصانع “كروب” بألمانيا وغيرها، محاولاً تجاوز الضعف الذي ظهر في مواجهات سابقة ضد الأطماع الإيبيرية التي تواصلت لقرون.
- التصنيع الحربي: أنشأ السلطان “الماكينة” بفاس، وهي معمل لتصنيع الأسلحة والذخيرة، لتقليل الاعتماد على الخارج. كان هذا الطموح يهدف إلى استعادة أمجاد القوة المغربية التي تجلت في معركة الأرك الخالدة، ولكن بمعايير العصر الصناعي الجديد.
كما لم يغفل السلطان عن تأمين السواحل، مستحضراً دور الأسطول البحري المغربي الذي ازدهر في عهد جده سيدي محمد بن عبد الله، فاشترى سفناً بخارية حديثة لحماية الثغور من القرصنة والتدخل الأجنبي.
ثالثاً: البعثات التعليمية وتحديث العقل المغربي
أدرك المولى الحسن الأول أن السلاح وحده لا يصنع نهضة، فكان قراره التاريخي بإرسال البعثات الطلابية إلى أوروبا (جبل طارق، فرنسا، إيطاليا، إنجلترا). كانت هذه البعثات تهدف إلى تكوين نخبة مغربية في علوم الرياضيات، الهندسة، الطب، واللغات، ليكونوا نواة الإدارة العصرية.
تزامن هذا مع اهتمام خاص بالعواصم العلمية التقليدية، حيث كانت عدوة الأندلس في فاس لا تزال منارة للعلم، فعمل السلطان على إصلاح التعليم بجامعة القرويين، وإدخال بعض العلوم الحديثة ضمن المناهج، لتواكب التحولات التي يشهدها العالم.
هذا الانفتاح التعليمي كان يرمي إلى محاكاة النظم المتطورة، مثلما تفاعلت قديماً مملكة موريطنية الطنجية مع حضارات المتوسط، حيث سعى السلطان لتجذير المغرب في محيطه الدولي كدولة قوية قادرة على التفاوض من موقع الندية.
رابعاً: الدفاع عن الوحدة الترابية والتحديات الصحراوية
لم تكن النهضة الحسنة محصورة في المركز، بل شملت الأطراف. قاد السلطان “حركات” سلطانية كبرى نحو سوس والصحراء المغربية لتأكيد السيادة ومواجهة التغلغل الإسباني والبريطاني. وفي هذا السياق، برز دور الشيخ ماء العينين والمقاومة في الصحراء المغربية، الذي وجد في السلطان الحسن الأول ظهيراً قوياً، حيث مده بالدعم العسكري والمالي لبناء زاوية السمارة وتوحيد القبائل ضد المستعمر.
كانت هذه الجهود تهدف إلى حماية المسالك التجارية التاريخية التي كانت تربط المغرب بعمق الأفريقي، وهي المسالك التي كانت تعبرها قديماً قوافل سجلماسة المفقودة، الشريان الاقتصادي العظيم للمغرب في العصور الوسطى.
خامساً: العوائق الهيكلية والتحديات الاجتماعية
على الرغم من هذه الجهود، واجه مشروع التحديث تحديات جسيمة، منها النقص الحاد في الموارد المالية، والديون الخارجية، فضلاً عن معارضة بعض الفئات التقليدية للإصلاحات الجبائية والتعليمية. يذكر صاحب “روض القرطاس” (في سياق حديثه عن تاريخ الدول السابقة والقياس عليها) أن قوة الدولة تكمن في تلاحمها القبلي، وهو ما حاول السلطان تحقيقه عبر المصاهرة والتحالفات، مستحضراً دور السيدة كنزة الأوربية في بناء الدولة الإدريسية الأولى عبر دمج قبيلة أوربة الأمازيغية في صلب الحكم.
كما شهدت المدن السلطانية تحولات اجتماعية مهمة، حيث استمر تاريخ الملاح في المغرب كجزء من النسيج الاقتصادي الذي حاول السلطان تنظيمه لتمويل مشاريعه الإصلاحية، رغم الضغوط الأوروبية لفرض نظام المحميين الذي قوض السيادة القضائية والمالية للمغرب.
سادساً: التحديث المائي والبنية التحتية
لم يقتصر التحديث على العسكر، بل شمل العمران والهندسة. فقد اهتم السلطان بتطوير وسائل الري والزراعة، مستفيداً من التراث المغربي العريق في هذا المجال، مثل نظام الخطارات في مراكش، الذي يعكس عبقرية الهندسة المائية المغربية. حاول الحسن الأول توظيف التقنيات الحديثة لزيادة الإنتاج الفلاحي وضمان الأمن الغذائي في سنوات الجفاف التي كانت تضرب البلاد وتؤدي إلى اضطرابات سياسية، تشبه في حدتها ما تسببت به انقسامات أبناء إدريس الثاني قديماً من تفتيت لوحدة البلاد.
سابعاً: مقارنة تاريخية ودروس للمستقبل
إن قراءة عهد الحسن الأول تفرض علينا مقارنته بفترات التحدي الكبرى في تاريخ المغرب، مثل مواجهة إمارة بورغواطة التي شكلت لغزاً تاريخياً في مواجهة المركزية الإسلامية، أو الصمود النسائي البطولي الذي يذكره تاريخ المقاومة النسائية في المغرب. لقد كان الحسن الأول يصارع الزمن لمنع وقوع المغرب في فخ الحماية، وهو الفخ الذي لم ينجُ منه خلفه، مما أدى لاحقاً إلى عقود من النضال انتهت بملحمة ثورة الملك والشعب: نفي السلطان محمد الخامس ومنعطف الاستقلال.
تظل العبقرية العسكرية التي سعى السلطان لغرسها هي النواة التي استلهمت منها المقاومة لاحقاً تكتيكاتها، كما ظهر بوضوح في معركة أنوال الخالدة، حيث امتزجت الروح القتالية التقليدية بالتخطيط العسكري المنظم ضد القوى الاستعمارية.
خاتمة
إن النهضة التعليمية والعسكرية في عهد السلطان الحسن الأول لم تكن مجرد رتوش تجميلية لدولة متهالكة، بل كانت مشروعاً نهضوياً متكاملاً اصطدم بجدار المصالح الإمبريالية والمشاكل البنيوية الداخلية. وبالرغم من فرض الحماية سنة 1912، إلا أن بذور التحديث التي زرعها المولى الحسن الأول ظلت كامنة في الوعي الوطني، مشكلة الأساس الذي قامت عليه الدولة المغربية الحديثة بعد الاستقلال.
لقد أثبت الناصري في “الاستقصا” أن الحسن الأول كان “سلطان المجد والعزم”، وأن محاولاته التحديثية كانت أقصى ما يمكن فعله في سياق دولي متكالب، ليبقى عهده شاهداً على إرادة الصمود المغربية عبر العصور.