الثورة البربرية الكبرى (740م): صرخة الاستقلال المغربي الأول عن الخلافة الأموية وتأسيس الكيان المستقل

الثورة البربرية الكبرى (740م): صرخة الاستقلال المغربي الأول عن الخلافة الأموية وتأسيس الكيان المستقل

يعد عام 740 ميلادية (122 هجرية) منعطفاً حاسماً في تاريخ الغرب الإسلامي، حيث لم تكن “الثورة البربرية الكبرى” مجرد انتفاضة عابرة ضد والٍ جائر، بل كانت زلزالاً جيوسياسياً أعاد تشكيل خارطة المنطقة، معلناً استقلال المغرب الفعلي والأبدي عن التبعية المشرقية. فبينما كانت الخلافة الأموية في دمشق تعيش أوج تمددها الإمبراطوري، انطلقت من طنجة صرخة رفض مدوية، أسست لما يمكن تسميته بـ “الكيان المغربي المستقل”، وهو الكيان الذي سيتبلور لاحقاً في دول وإمارات تركت بصمتها في التاريخ العالمي.

الجذور العميقة للصراع: السياسة الأموية والشرارة الإيديولوجية

يرى المؤرخ الناصري في كتابه الشهير “الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى” أن السبب المباشر للثورة لم يكن رفضاً للإسلام بحد ذاته، بل كان رداً على تجاوزات الولاة الأمويين الذين عاملوا المسلمين من الأمازيغ معاملة “أهل الذمة”، ففرضوا عليهم الجزية والضرائب الجائرة، بل ووصل الحد ببعضهم إلى استرقاق أبنائهم وبناتهم بدعوى “الفيء”.

هذه المظالم الاجتماعية وجدت في المذهب الخارجي (الصفرية) وعاءً إيديولوجياً مثالياً. فالخوارج نادوا بالمساواة المطلقة بين المسلمين بغض النظر عن عرقهم، وأجازوا إمامة “الأصلح” حتى لو لم يكن قرشياً. هذا الطرح صادف هوى في نفوس قبائل المغرب التي كانت تستشعر جذوراً حضارية ضاربة في القدم، تعود إلى عهود قديمة مثل مملكة موريطنية الطنجية، حيث كان الإنسان المغربي دائماً ما يأنف من الخضوع للسيطرة الخارجية المطلقة.

ميسرة المدغري: الزعيم الذي هز عرش دمشق

بدأت الحكاية بوفد مغربي توجه إلى دمشق لمقابلة الخليفة هشام بن عبد الملك، برئاسة “ميسرة المدغري” (الحقير). كان الهدف هو عرض المظالم ومطالبة الخليفة بإنصافهم من والي القيروان عبيد الله بن الحبحاب وعامله على طنجة عمر بن عبد الله المرادي. يذكر ابن أبي زرع في “روض القرطاس” أن الوفد لم يتمكن من مقابلة الخليفة، أو قوبل بجفاء، مما عمق الشعور بالإقصاء.

عاد ميسرة إلى المغرب، وفي قلبه قرار الاستقلال. اندلعت الثورة في طنجة سنة 740م، وتمت مبايعة ميسرة خليفة على البربر. كانت هذه الخطوة بمثابة إعلان القطيعة التامة. ولم تكن هذه المقاومة مقتصرة على الرجال، بل إن الوعي بالهوية والرفض للظلم كان صفة متجذرة في المجتمع، وهو ما يذكرنا لاحقاً بما سجله تاريخ المقاومة النسائية في المغرب من أدوار بطولية للمرأة في مواجهة الغزو والاحتلال عبر العصور.

معركة الأشراف: السقوط المروع لفرسان الأمويين

أرسل عبيد الله بن الحبحاب جيشاً جراراً يضم نخبة فرسان العرب (الأشراف) بقيادة خالد بن أبي حبيب الفهري. التقى الجيشان قرب طنجة في معركة عرفت بـ “غزوة الأشراف”. كانت النتائج كارثية على الجانب الأموي؛ حيث قُتل خيرة قادة الجيش، واهتزت سمعة الخلافة العسكرية في المنطقة. يصف الناصري هذه المعركة بأنها كانت يوماً عسيراً لم يُرَ مثله في تاريخ الفتوحات.

لقد كان الصمود المغربي في هذه المعركة يشبه في روحه القتالية وتكتيكه الدفاعي ما سيحدث بعد قرون طويلة في معركة أنوال الخالدة، حيث استطاعت العبقرية العسكرية المحلية هزيمة جيوش كبرى تفوقها عتاداً وتنظيماً كلاسيكياً.

تشرذم الخلافة وبروز الكيانات المستقلة

بعد مقتل ميسرة على يد أتباعه نتيجة خلافات داخلية، تولى القيادة خالد بن حميد الزناتي، الذي خاض معركة “بقدورة” الشهيرة ضد جيش كلثوم بن عياض الذي أرسله الخليفة من الشام. انتهت المعركة بهزيمة نكراء أخرى للأمويين، ومقتل كلثوم، وبدا واضحاً أن المغرب الأقصى قد خرج تماماً من عباءة دمشق.

هذا الفراغ السياسي والانتصار العسكري مهد لظهور تشكيلات سياسية فريدة من نوعها:

  • إمارة بورغواطة: في منطقة تامسنا (الشاوية حالياً)، نشأت إمارة بورغواطة التي تعتبر لغزاً تاريخياً بمذهبها الديني المتميز، كأول تعبير عن الخصوصية المغربية الصرفة بعيداً عن أي تأثير خارجي.
  • إمارة بني مدرار: التي اتخذت من سجلماسة المفقودة عاصمة لها، لتصبح مركزاً عالمياً لتجارة الذهب وبوابة نحو أفريقيا.

من الثورة إلى الدولة: تمهيد الطريق للأدارسة

كانت الثورة البربرية الكبرى هي التي هيأت التربة السياسية لاستقبال المولى إدريس الأول. فلم يكن ليجد موطئ قدم لولا أن القبائل المغربية قد حسمت أمرها مسبقاً في الانفصال عن الشرق. وهنا تبرز أهمية قبيلة أوربة الأمازيغية، التي كانت الحاضنة التاريخية للدولة الإدريسية، حيث استثمرت هذا الاستقلال لتبني مشروعاً سياسياً جديداً يجمع بين الشرعية النبوية والقبائل المحلية.

في هذا السياق، لا يمكن إغفال دور السيدة كنزة الأوربية، التي جسدت التحالف العضوي بين العرب والأمازيغ، وساهمت في استقرار الدولة بعد وفاة إدريس الأول. بفضل هذا الأساس المتين، تمكن إدريس الثاني من تحجيم نفوذ القبائل والانتقال من الحكم القبلي إلى المركزية الإدارية، متخذاً من فاس عاصمة له، حيث أنشأ عدوة الأندلس في فاس لتكون منارة للعلم والحضارة.

الاستمرارية التاريخية لمفهوم الاستقلال

إن الثورة البربرية الكبرى عام 740م لم تكن حادثاً معزولاً، بل هي الحلقة الأولى في سلسلة طويلة من صرخات الاستقلال المغربي. هذا الحس السيادي هو الذي دفع المغاربة في العصر الحديث إلى خوض ثورة الملك والشعب ضد الحماية الفرنسية. فالمغربي الذي رفض وصاية أمراء بني أمية في القرن الثامن، هو نفسه الذي رفض نفى السلطان محمد الخامس في القرن العشرين.

لقد شكلت هذه الثورة النواة الأولى للدولة المغربية الأمة. ورغم التحديات الكبرى التي واجهها المغرب لاحقاً، مثل معركة إسلي 1844 التي كشفت الفجوة العسكرية مع أوروبا، إلا أن روح الصمود ظلت مستمدة من ذلك التاريخ التليد. وقد تجلى ذلك في كفاح الشيخ ماء العينين والمقاومة في الصحراء المغربية، التي أكدت أن الوحدة الترابية والاستقلال هما عقيدة سياسية مغربية بدأت مع ميسرة المدغري ولم تنتهِ.

أثر الاستقلال على البناء الحضاري

بعد الاستقلال عن الأمويين، انصرف المغرب لبناء هويته المعمارية والاقتصادية. فظهرت ابتكارات هندسية مذهلة مثل نظام الخطارات في مراكش، وشهدت المدن السلطانية تعايشاً فريداً، حيث برز تاريخ الملاح في المغرب كشاهد على التعددية الثقافية والدينية تحت ظل السلطة المركزية المستقلة.

كما تطورت المؤسسات العسكرية لاحقاً لحماية هذا الكيان المستقل، من جيش عبيد البخاري الذي أسسه المولى إسماعيل، وصولاً إلى بناء الأسطول البحري المغربي الذي فرض سيادة المغرب في المحيط الأطلسي خلال عهد سيدي محمد بن عبد الله.

خاتمة: إرث الثورة في الوجدان المغربي

إن الثورة البربرية الكبرى هي التي منحت المغرب القدرة على أن يكون إمبراطورية لا مجرد ولاية. فمن رحم هذا الاستقلال ولدت حركة المرابطين الإصلاحية التي وحدت المغرب الكبير، وتلاها الموحدون الذين حققوا النصر في معركة الأرك الخالدة. وحتى في فترات الضعف، كما كان الحال مع الدولة الوطاسية وصراع البقاء، ظل المغرب عصياً على الذوبان في الآخر.

لقد كانت ثورة 740م هي “الاستقلال الأول”، واللبنة الأساسية التي ارتفع فوقها صرح الهوية المغربية التي لا تزال تتنفس حرية وسيادة حتى يومنا هذا، مستلهمة من دروس الماضي لبناء المستقبل.

المصادر:
1. أحمد بن خالد الناصري، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى.
2. ابن أبي زرع الفاسي، الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس.
3. محمود إسماعيل، الخوارج في بلاد المغرب.

أضف تعليق