جمهورية بورقراق (سلا): قصة الكيان البحري المستقل ودوره في توازن القوى الأطلسية في القرن السابع عشر
شهد القرن السابع عشر في المغرب تحولات جيوسياسية كبرى، تزامنت مع أفول نجم الدولة السعدية وبزوغ فجر الدولة العلوية. وفي هذا الخضم المضطرب، برز كيان سياسي وعسكري فريد عند مصب نهر أبي رقراق، عُرف تاريخياً بـ “جمهورية بورقراق” أو “جمهورية سلا”. لم تكن هذه الجمهورية مجرد تجمع للمهاجرين، بل كانت تجسيداً لدبلوماسية القوة والنزعة الاستقلالية التي ميزت المغرب في فترات الضعف المركزي، مستندة إلى إرث طويل من الصمود بدأ منذ عصور مملكة موريطنية الطنجية وصولاً إلى العصر الإسلامي.
الجذور التاريخية لمصب أبي رقراق
قبل الخوض في تفاصيل الجمهورية، لا بد من العودة إلى الأسس العمرانية للمنطقة. يذكر ابن أبي زرع في كتابه الشهير “روض القرطاس” بناء مدينة سلا وأهميتها الاستراتيجية، حيث كانت دائماً ثغراً مرابطاً يجمع بين التجارة والجهاد. وقد تعزز هذا الدور في العهد الموحدي الذي شهد بناء صومعة حسان وقصبة الأوداية. ومع تراجع المركزية في عهد الدولة الوطاسية وصراع البقاء ضد الأطماع الإيبيرية، بدأت منطقة مصب أبي رقراق تكتسب خصوصية ديموغرافية واجتماعية ستنفجر طاقةً عسكريةً في القرن السابع عشر.
لقد كانت المنطقة مهيأة تاريخياً لاستيعاب التيارات الفكرية والسياسية المختلفة، تماماً كما كانت في السابق حاضنة لتحولات مذهبية كبرى مثل إمارة بورغواطة، إلا أن التحول الحقيقي بدأ مع موجات الطرد النهائي للموريسكيين من الأندلس عام 1609م.
تأسيس الجمهورية: الموريسكيون والبحث عن الكيان
بعد سقوط غرناطة وتزايد القمع الكنسي في إسبانيا، توافدت موجات المهاجرين إلى المغرب. استقر “الهورناشيروس” (سكان مدينة هورناشوس الأندلسية) في قصبة الأوداية، بينما استقر الأندلسيون المطرودون لاحقاً في مدينة الرباط (سلا الجديدة). هؤلاء المهاجرون لم يأتوا بذاكرة الفقد فحسب، بل جاؤوا بخبرات عسكرية وتقنيات بحرية متطورة وحقد دفين على القوى الإيبيرية.
يروي الناصري في كتابه “الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى” كيف تحولت هذه المنطقة إلى خلية نحل للجهاد البحري. ومع ضعف سلطة أبناء السلطان أحمد المنصور الذهبي وانشغالهم بالنزاعات الداخلية، أعلن سكان العدوتين استقلالهم الذاتي، مؤسسين ما يشبه مجلس الشيوخ أو “الديوان” لإدارة شؤونهم. كان هذا الديوان يتكون من 16 عضواً يختارون “حاكماً” أو “أميرالاً” لإدارة العمليات البحرية وتوزيع الغنائم.
هذا الكيان السياسي ذكرنا بالبنيات المؤسساتية التي حاول الأدارسة بناءها قديماً، حيث كان إدريس الثاني وتحجيم نفوذ أوربة قد وضع اللبنات الأولى للدولة المركزية، لكن جمهورية بورقراق كانت حالة استثنائية من “الديمقراطية الحربية” في ظل الفراغ السلطاني.
النشاط البحري: بين الجهاد والقرصنة
استخدمت الجمهورية أسطولاً من السفن السريعة والمناورة، التي كانت تنطلق من مصب النهر لتهاجم السفن الأوروبية في عرض المحيط الأطلسي. لم يكن الهدف مالياً فحسب، بل كان رداً على الاضطهاد الذي تعرضوا له في الأندلس. وقد لعبت المنطقة دوراً اقتصادياً محورياً، حيث كان يباع الأسرى والسلع في أسواق سلا، مما جذب التجار من كل حدب وصوب، بما في ذلك المكون العبري الذي كان له حضور تاريخي متميز، وهو ما نفصله في تاريخ الملاح في المغرب، حيث ساهموا في الوساطة التجارية والدبلوماسية.
وصلت جرأة أسطول سلا إلى حد مهاجمة سواحل إيرلندا وآيسلندا، مما أجبر القوى الكبرى مثل بريطانيا وفرنسا على إرسال سفراء للتفاوض مباشرة مع ديوان الجمهورية، متجاوزين في كثير من الأحيان السلطة المركزية الضعيفة في مراكش أو فاس. هذا النوع من المقاومة لم يقتصر على الرجال، بل سجل التاريخ أدواراً للمرأة الأندلسية في الحفاظ على الروح المعنوية والتمسك بالهوية، وهو جزء من تاريخ المقاومة النسائية في المغرب التي واجهت الاحتلال بصور متعددة.
الصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية
لم تكن الجمهورية تعيش في وئام دائم؛ فقد نشبت نزاعات دموية بين الهورناشيروس في القصبة والأندلسيين في الرباط حول توزيع المداخيل والسلطة. كما دخلت الزاوية الدلائية على الخط، محاولةً بسط سيطرتها على المصب الاستراتيجي. يشير “الاستقصا” إلى أن هذا النزاع أضعف الكيان البحري وجعله عرضة للضغوط الأوروبية.
هذه الصراعات تذكرنا بالتمزق الذي حدث بعد وفاء السلاطين الكبار، مثلما حدث عند تقسيم المملكة بين أبناء إدريس الثاني، حيث كانت النزاعات المحلية دائماً ما تفتح الباب أمام التدخل الأجنبي. ومع ذلك، بقيت سلا عصية على الغزو المباشر بفضل مهارتهم القتالية التي تضاهي ما رأيناه في معركة الأرك الخالدة من حيث الشجاعة، وإن اختلفت السياقات والوسائل.
الجمهورية في ميزان الدولة العلوية الناشئة
مع ظهور المولى الرشيد ثم السلطان القوي المولى إسماعيل، بدأت الدولة المغربية تستعيد هيبتها وتعمل على توحيد البلاد. لم يكن مسموحاً ببقاء كيان مستقل يمارس الدبلوماسية والجهاد بعيداً عن نظر السلطان. اعتمد المولى إسماعيل استراتيجية مزدوجة؛ القوة العسكرية والاحتواء الإداري. ولتحقيق ذلك، اعتمد على قوة ضاربة هي جيش عبيد البخاري، الذي ساهم في فرض الأمن في الثغور وتأمين المصبات النهرية.
انتهت استقلالية الجمهورية رسمياً، لكن روحها البحرية لم تمت، بل تم استيعابها ضمن أسطول الدولة. لقد كانت تجربة سلا بمثابة الدرس القاسي الذي تعلمه السلاطين العلويون في كيفية التعامل مع القوى الأطلسية، وهو ما نضج لاحقاً في عهد الأسطول البحري المغربي في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله، حيث تحولت القرصنة إلى دبلوماسية رسمية منظمة تحت لواء الدولة المركزية.
الأبعاد الحضارية والعمرانية
لم تكن الجمهورية مجرد ثكنة بحرية، بل كانت مركزاً للإشعاع الأندلسي في المغرب. فقد جلب المهاجرون معهم فنون العمارة والموسيقى (الآلة) وأنظمة الري المتقدمة. وإذا كانت مراكش قد اشتهرت بـ نظام الخطارات في مراكش، فإن سلا والرباط قد ازدهرتا بفضل هندسة الموريسكيين الذين حولوا المنطقة إلى جنات خضراء. كما كانت المدينتان جسراً ثقافياً يربط المغرب بـ عدوة الأندلس في فاس، مما أدى إلى تلاقح حضاري فريد أعاد صياغة الهوية المغربية الحضرية.
هذا التفاعل لم يكن محصوراً في الشمال، بل امتدت جذوره التاريخية لتشمل الروابط مع الجنوب المغربي، حيث كانت القوافل تصل بين الرباط وسلا وبين سجلماسة المفقودة، عاصمة تجارة الذهب، مما جعل من جمهورية بورقراق منفذاً بحرياً للعمق الأفريقي للمغرب.
خاتمة: إرث جمهورية بورقراق
إن قصة جمهورية بورقراق هي فصل من فصول الصمود المغربي. لم تكن مجرد تمرد على السلطة، بل كانت استجابة ظرفية لغياب المركزية وحاجة المجتمع للدفاع عن نفسه ضد الأطماع الصليبية المتزايدة. لقد مهدت هذه التجربة الطريق لفهم أهمية القوة البحرية في حماية الاستقلال الوطني، وهو المبدأ الذي ظل راسخاً حتى في أحلك الظروف الاستعمارية لاحقاً.
وكما قاد الشيخ ماء العينين والمقاومة في الصحراء المغربية ملاحم الجهاد في الجنوب، وكما سجل التاريخ انكسارات مؤلمة مثل معركة إسلي 1844 التي كشفت الفارق التقني مع أوروبا، فإن سلا ظلت رمزاً للقدرة على المبادرة وتغيير موازين القوى.
إن دروس جمهورية بورقراق تتشابه مع عبقرية التكتيكات التي ظهرت لاحقاً في معركة أنوال الخالدة؛ حيث استطاعت قوى محلية بإمكانيات محدودة كسر شوكة إمبراطوريات عظمى. واليوم، ونحن نستذكر هذا التاريخ، ندرك أن السيادة المغربية هي نتاج تلاحم طويل بدأ منذ حركة المرابطين الإصلاحية وتكرس في ثورة الملك والشعب، لتظل سلا والرباط، بعمرانهما وتاريخهما، شاهدتين على عظمة هذا الكيان البحري الذي دوّخ أساطيل العالم في القرن السابع عشر.
المصادر والمراجع:
- أحمد بن خالد الناصري، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، دار الكتاب، الدار البيضاء.
- ابن أبي زرع الفاسي، الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، دار المنصور للطباعة.
- روجر كواندريت، قراصنة سلا (ترجمة ودراسة).
- وثائق أرشيفية من الخزانة الحسنية بالرباط.